فحيث تأكد الإخبار عنهم بإنكار البعث والآخرة ، عمدوا إليها بالتقديم على سبيل الاعتناء ، وحيث لم يكن ذلك ، عمدوا إلى إنكار إيجاد المبعوث ، فقدموه وأخروا الموعود به ، ثم أمر نبيه أن يأمرهم بالسير في الأرض ؛ وتقدم الكلام في نظير هذه الآية في أوائل الأنعام.
وأراد بالمجرمين: الكافرين ، ثم سلى نبيه فقال: {ولا تحزن عليهم} : أي في كونهم لم يسلموا ولم يذعنوا إلى ما جئت به ، {ولا تكن في ضيق} : أي في حرج وأمر شاق عليك {مما يمكرون} ، فإن مكرهم لاحق بهم ، لا بك ، والله يعصمك منهم.
وتقدّمت قراءة ضيق ، بكسر الضاد وفتحها ، وهما مصدران.
وكره أبو علي أن يكون المفتوح الضاد ، أصله ضيق ، بتشديد الياء فخفف ، كلين في لين ، لأن ذلك يقتضي حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه ، وليست من الصفات التي تقوم مقام الموصوف باطراد.
وأجاز ذلك الزمخشري ، قال: ويجوز أن يراد في أمر ضيق من مكرهم.
ولما استعجلت قريش بأمر الساعة ، أو بالعذاب الموعود به هم ، وسألوا عن وقت الموعود به على سبيل الاستهزاء ، قيل له: قل عسى أن يكون ردفكم بعضه: أي تبعكم عن قرب وصار كالرديف التابع لكم بعض ما استعجلتم به ، وهو كان عذاب يوم بدر.
وقيل: عذاب القبر.
وقرأ الجمهور: ردف ، بكسر الدال.
وقرأ ابن هرمز: بفتحها ، وهما لغتان ، وأصله التعدي بمعنى تبع ولحق ، فاحتمل أن يكون مضمناً معنى اللازم ، ولذلك فسره ابن عباس وغيره بأزف وقرب لما كان يجيء بعد الشيء قريباً منه ضمن معناه ، أو مزيداً اللام في مفعوله لتأكيد وصول الفعل إليه ، كما زيدت الباء في: {ولا تلقوا بأيديكم} قاله الزمخشري ، وقد عدى بمن على سبيل التضمين لما يتعدى بها ، وقال الشاعر:
فلما ردَفنا من عمير وصحبه ...
تولوا سراعاً والمنية تعنق
أي دنوا من عمير.
وقيل: ردفه وردف له ، لغتان.
وقيل: الفعل محمول على المصدر ، أي الرادفة لكم.