الهدهد اليماني إن صاحبك يسره أن تأتيه بخبر هذه الملكة ، فانطلق معه ونظر إلى بلقيس وملكها وغاب إلى وقت العصر ، وكان نزول سليمان على غير ماء ، قال ابن عباس: وكان الهدهد دليل سليمان على الماء ، وكان يعرف الماء ويرى الماء تحت الأرض كما يرى في الزجاجة ويعرف بعده وقربه فينقر الأرض ثم تجيء الشياطين فيسلخونها كما يسلخ الإهاب ويستخرجون الماء ، قال سعيد بن جبير: لما ذكر ابن عباس هذا قال له نافع بن الأزرق: انظر ما تقول: إن الصبيّ منا يصنع الفخ ويحثوا عليه التراب فيجيء الهدهد ولا يبصر الفخ حتى يقع في عنقه؟ فقال له ابن عباس ويحك إن القدر إذا جاء حال بين البصر ، وفي رواية إذا نزل القضاء والقدر ذهب اللب وعمي البصر ، قال القائل:
*هي المقادير فدعني والقدر ** إن كنت أخطأت فما أخطأ القدر*
*إذا أراد الله أمراً بامرئ ** وكان ذا عقل وسمع وبصر*
*يعبر الجهل فيعمى قلبه ** وسمعه وعقله ثم البصر*
*حتى إذا أنفذ فيه حكمه ** ردّ عليه عقله ليعتبر*
*لا تقل لما جرى كيف جرى ** كل شيء بقضاء وقدر*
فلما دخل على سليمان وقت الصلاة سأل الإنس والجنّ والشياطين عن الماء فلم يعلموه ، فتفقد الهدهد فلم يجده فدعا عريف الطير وهو النسر فسأله عنه فقال أصلح الله الملك ما أدري أين هو ، وما أرسلته مكاناً ، فغضب سليمان عند ذلك وقال.
{لأعذبنه} أي: بسبب غيبته فيما لم آذن فيه {عذاباً شديداً} أي: مع بقاء روحه ردعاً لأمثاله {أو لأذبحنه} أي: بقطع حلقومه أي: تأديباً لغيره {أو ليأتيني بسلطان مبين} أي: بحجة واضحة.