وهذه الآية الكريمة تدل على أن قرين السوء ، قد يدخل قرينه النار والتحذير من قرين السوء مشهور معروف ، وقد بين جل وعلا في سورة الصافات: أن رجلاً من أهل الجنة أقسم بالله أن قرينه كاد يرديه أي يهلكه بعذاب النار ، ولكن لطف الله به فتداركه برحمته وإنعامه فهداه وأنقذه من النار ، وذلك في قوله تعالى: {قَالَ قَآئِلٌ مِّنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ المصدقين} [الصافات: 5152] إلى قوله تعالى: {فاطلع فَرَآهُ فِي سَوَآءِ الجحيم قَالَ تالله إِن كِدتَّ لَتُرْدِينِ وَلَوْلاَ نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنتُ مِنَ المحضرين} [الصافات: 5557] .
وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا (30)
معنى هذه الآية الكريمة ظاهر ، وهو أن نبينا صلى الله عليه وسلم شكا إلى ربه هجر قومه ، وهم كفار قريش لهذا القرآن العظيم أي تركهم لتصديقه ، والعمل به وهذه شكوى عظيمة ، وفيها أعظم تخويف لمن هجر هذا القرآن العظيم ، فلم يعمل بما فيه من الحلال والحرام والآداب والمكارم ، ولم يعتقد ما فيه من العقائد ، ويعتبر بما فيه من الزواجر والقصص والأمثال.
واعلم أن السبكي قال إنه استنبط من هذه الآية الكريمة من سورة الفرقان مسألة أصولية ، وهي أن الكف عن الفعل فعل. والمراد بالكف الترك ، قال في طبقاته: لقد وقفت على ثلاثة أدلة تدل على أن الكف فعل لم أر أحداً عثر عليها.
أحدها: قوله تعالى: {وَقَالَ الرسول يارب إِنَّ قَوْمِي اتخذوا هذا القرآن مَهْجُوراً} فإن الأخذ التناول والمهجور المتروك ، فصار المعنى تناولوه متروكاً أي: فعلوا تركه. انتهى محل الغرض منه بواسطة نقل صاحب نشر البنود ، شرح مراقي السعود في الكلام على قوله: