فالظاهر أن المشركين إذا سمعوا آيات الوعيد يقولون في أنفسهم: لئن كان البعث حقّاً لنجدنّ أعمالاً عملناها من البرّ تكون سبباً لنجاتنا، فعلم الله ما في نفوسهم فأخبر بأن أعمالهم تكون كالعدم يومئذٍ.
والقدوم مستعمل في معنى العَمْد والإرادة، وأفعال المشي والمجيء تجيء في الاستعمال لمعاني القصد والعَزم والشروع مثل: قَام يفعل، وذَهب يقول، وأقبل، ونحوها.
وأصل ذلك ناشئ عن تمثيل حال العامد إلى فعل باهتمام بحال من يَمشي إليه، فموقعه في الكلام أرشق من أن يقول: وعَمَدْنا أو أردنا إلى ما عملوا.
و {مِن} في قوله: {من عمل} بيانية لإبهام {ما} وتنكير {عمل} للنوعية، والمراد به عمل الخير، أي إلى ما عملوه من جنس عمل الخير.
والهباء: كائنات جسمية دقيقة لا تُرى إلا في أشعة الشمس المنحصرة في كوّة ونحوها، تلوح كأنها سَابحة في الهواء وهي أدق من الغبار، أي فجعلناه كهباء منثور، وهو تشبيه لأعمالهم في عدم الانتفاع بها مع كونها موجودة بالهَباء في عدم إمساكه مع كونه موجوداً، وهذا تشبيه بليغ وهو هنا رشيق.
ونظيره قوله تعالى: {وبُسّت الجبالُ بسّاً فكانت هباءً منبثاً} [الواقعة: 5، 6] .
والمنثور: غير المنتظم، وهو وصف كاشِف لأن الهباء لا يكون إلاّ منثوراً، فذكر هذا الوصف للإشارة إلى ما في الهباء من الحقارة ومن التفرق.
أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا (24)
استئناف ابتدائي جيء به لمقابلة حال المشركين في الآخرة بضدها من حال أصحاب الجنة وهم المؤمنون، لأنه لما وصف حال المشركين في الآخرة عُلم أن لا حظ لهم في الجنّة فتعينت الجنة لغير المشركين يومئذ وهم المؤمنون، إذ أهل مكة في وقت نزول هذه الآية فريقان: مشركون ومؤمنون.
فمعنى الكلام: المؤمنون يومئذ هم أصحاب الجنة وهم {خير مستقراً وأحسن مقيلاً} .