{وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا ، إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا ، يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا ، يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا ، يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا ، قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا ، قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا} [مريم: 41 - 47] .
وهنا نجد رفق الدعوة التي تفيض بحنان البنوة فِي عباراتها ، وفي نغماتها الهادئة ، وفي معانيها العاطفة ، ولا يمكن أن يوجد فِي أيِّ لغة فِي أيِّ كلام عبارات برفق الدعوة والعطف والرعاية بمثل هذه العبارات ؛ لأنها كلام العليم الحكيم العزيز الكريم.
وبمقدار ما فِي عبارات الابن من رفقٍ واسترضاءٍ واستعطاف كانت عبارات الأب كما صوَّرها القرآن جفوة ، وكأنَّها الجنادل تصك الآذان ، ولم يمنع ذلك الابن العطوف من أن يعد أباه بأن يستغفر له ربه ؛ لأنه له مكانة عند الله تعالى: {إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا} .
ولكن الله تعالى يخبره بأنه ليس له أن يستغفر لأبيه ؛ لأن كل امرئ بما كسب رهين ، ولا تزر وازرة وزر أخرى ، وكل إنسان وما قدَّمت يداه ، إن خيرًا فخير ، وإن شرًّا فشر ، وقد نهى الله تعالى عن الاستغفار للمشركين ، وعفا عن إبراهيم إذ استغفر لأبيه ، ولكنه أمره بالبراءة منه فتبرأ ، وقال تعالى فِي ذلك: