وإن النتيجة التي تكون أثرًا لذلك أن يجعل من طائفة منهم بطانة له ، وجندًا يستنصر بهم ويتخذهم أسواطًا يضرب بها غيرهم ، ويتحكم فِي جمعهم ، ولذلك قال تعالى فِي ذكر هذه النتيجة الحتمية التي تتبع التفرق تبعية المسبب لسببه ، والنتيجة للمقدمة: {يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ} أي: يصور طائفة منهم ضعفاء ، أو يطلب ضعف طائفة منهم ، ويتتبعه ، وهنا إشارة بيانية رائعة لا تكون إلا فِي القرآن الكريم ، وهذه الإشارة هي أنه ذكر الطائفة المستضعفة ، ولم يذكر الطائفة التي جعل فيها قوته يضرب بها رقاب الناس ، والسبب فِي أنه تعالى لم يذكرها موصوفة بالقوة ؛ لأنها وإن لبست لبوس القوة ليست - فِي حقيقة أمرها - قوية فِي شيء ؛ لأنها ليس لها اختيار فيما اختارت ؛ ولأنها لا تملك من أمرها شيئًا ، بل مسخَّرة لطغواه ، مراده له ، وليست بمريدة فيما تفعل ، والقوي هو الذي يفعل ما يريد هو لا ما يريده غيره ، ويعمل ليرضي شهوة نفسه لا ما يرضي غيره ، وليس هو من تكون إرادته فانية فِي إرادة غيره ، قد لبس جلد النمر ، وما هو إهابه ، وإذا كانت الطائفة المستضعفة إيذاؤها بدني مادي ، فهؤلاء الذين ظهروا بمظهر القوة إيذاؤهم معنوي ، وهو فناء إنسانيتهم وإرادتهم وتفكيرهم ، وكل مكونات
الإنسان الكامل ، فهم ضعفاء وإن ظهروا كأنهم الأقوياء ، فجنود السلطان الغاشم لا يعتبرون الأقوياء ؛ لأنهم أداة طائغة ، وإمعات طامعة.