وكذلك كانت حال أصحاب الجنة ، فقد كان فيهم رشيد ينبههم إلى خطأ ما أزمعوا أن يفعلوه ، وقد حكاه الله - سبحانه وتعالى - بقوله: {قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ} .
الوسط هو الأمثل ، والوسط فِي أوصاف الخير هو الأمثل دائمًا ، ومن ذلك قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} [البقرة: 143] ، وهذا الأمثل عندما رأى حالهم وتدبيرهم وطمعهم ، وما يسرون به وما يجهرون ، وما يتخافتون وما يعلنون ، لاحظ
أنهم نسوا الله فأنساهم أنفسهم ، فكان لا بُدَّ لكي يدركوا صالح أمورهم أن يؤمنوا بالله وأن يذكروه فِي أعمالهم ظاهرة وباطنة ، فهم لا ينقصهم الجد فِي العمل ، ولكن ينقصهم الإيمان ، فقال لهم: {لَوْلَا تُسَبِّحُون} أي: هل تسبحون وتنزهون الله تعالى وتقدسونه ، وتعلمون أنه القاهر فوق كل شيء ، وأنه العليم الحكيم ، وهنا كان فيما حكاه الله تعالى بالتعبير: {قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ} الاستفهام الداخل على النفي فِي معنى الإثبات ؛ لأن نفي النفي إثبات ، وهو يدل على التوبيخ ، وتذكيرهم بأنهم لم يفعوا ما فعلوا فاقدين للمنبه المرشد ، فقد أرشدهم إلى الطريقة المثلى والمنهاج الأسلم ، وهو الإيمان بالله تعالى وتقديسه وتنزيهه ، والإحساس بأنه الغالب على كل شيء ، القاهر فوق عباده.