وإن معنى التعجل والحرص قد أكد بقوله تعالى حكاية عنهم: {فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ ، أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ} هذه النصوص تصور اجتماعًا وافتراقًا ، فقد اجتمعوا على نية القطع ، واجتمعوا على المسارعة فيه ، واجتمعوا على أمر خبيث لم يعلنوه ، ولكن اتفقوا عليه فِي تخافت وإسرار ، واجتماع على تلك النية الخبيثة ، وإن كلمة يتخافتون تصوير لحالهم الحسي ولأمرهم النفسي ، ولمعنى المنع ، فإنَّ الامتناع عن الخير لا يكون إلا بإصرار النفوس والتفاهم فِي سرٍّ ، ولا يكون فِي جهر ، فتخافتوا على ألَّا يعطوا مسكينًا ، وعبَّر عن المنع عن إعطاء المسكين بمنعه من الدخول ، فهم لا يمنعون العطاء فقط ، بل يمنعونه من الدخول نهيًا مؤكدًا وبإصرارٍ على المنع ، ولو بالدفع أو القهر ، فضلًا عن الطردِ والنهر ، وإغلاق الأبواب وإقامة الحراس المانعين ، وأكَّدوا تنفيذ فكرتهم بما حكى الله عنهم من تأكيد المنع بالنون الثقيلة ، هذه أحوال اجتماعهم ، أمَّا افتراقهم فهو دخولهم على الحديقة ، متفرقين كلٌّ فِي جانب منها ، ودلَّ على ذلك قوله: {فَانْطَلَقُوا} فهم ذهبوا ليقطعوا ويجمعوا ، كلٌّ فِي جانبٍ تجمعهم فكرة التعجل والتصميم والإلحاق فِي منع المساكين ، وقال تعالى فِي تصوير تعجُّلهم مع سيطرة فكرة المنع عليهم {وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِين} ، فغدوا معناها أقدموا فِي باكورة الغداة ، والحرص معناها المنع والتشدد فيه ، والمعنى: إنهم أصبحوا قاصدين القطع ، ومعتزمين المنع من حق الفقير ، بل منع دخوله ، وموضع قادرين هنا هو وصفهم بالقوة على العمل والتنفيذ والمنع بكل الوسائل.
هذا تصوير لا تعرف اللغات تصويرًا للحرص والتعجل والاستيثاق بالإيمان وعدم التردد فيما يعملون ، ونية السوء ، والتخافت فيها مثله ، ولو اجتمعت الإنس والجن أن يأتوا بمثله لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا.