واستجاب موسى لنصيحة الرجل الأمين ، فخرج خائفًا يترقب"انظر إلى كلمة يترقب"فهو ينظر يمينًا وشمالًا وأمامًا وخلفًا يترقَّب من يأتيه من أمامه ، ومن يأتيه من ورائه ، ومن يأتيه من شماله ومن يمينه ، وكلمة يترقب تصور تلك الحال ، وتصور النفس المحترسة الآخذة تجدها فِي اطمئنان نفسي ، واحتراس من غير اضطراب ، فالمترقب الخائف غير المضطرب الخائف ؛ لأن الخائف المضطرب لا يحسن الترقب ولا الحذر ، فيصيبه الهلع فيخاف من غير مخوف ، ويقع بهلعه وفزعه فيما يخشاه ، ولفظ القرآن الكريم ينبئ عن هذه المعاني السامية ، والكلمات صور لمعانٍ حسية ومعنوية ، ظاهرة وباطنة ، والله سبحانه السميع العليم والحكيم الذي أنزل كتابه المبين الذي لا ياتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
الكلمة مع أخواتها والعبارات مع رفيقاتها:
54 -قلنا: إن للكلمة إشراقًا خاصًّا ، فكل كلمة لها إشعاع فكري ، ولكنها لا يبدو منها ذلك الإشعاع والبلاغة البيانية إلا مع أخت لها تناسبها ، وتتلاقى فكريًّا معها ، فمثلًا كلمة - تنفس - التي ذكرناها فِي قوله تعالى: {وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّس} لا ينبعث منها ذلك الإشعاع الفكري إلّا إذا كانت كلمة الصبح معها ، فلا بُدَّ لكي يكون ذلك الإشعاع المعنوي صحيحًا واضحًا مؤديًا إلى غايته من أن يكون مقترنًا بالصبح ، ومع أن الإشعاع منها وحدها ، إلّا أنه لا يضيء إلا مع كلمة الصبح ، وكلمة الصبح تفترق عن كلمة الفجر ، إلّا إذا كان يتبعه التنفس والإسفار ، فالصبح والتنفس متلازمان ، وإن كان كل منهما مؤديًا معنى مستقلًّا ، والتلازم كان بألا يتبين ذكل المعنى الاستقلالي إلا بضم الأخرى إلى الأولى.