الكلمة الثانية: طعام الأثيم ، يقول الذين تكلموا فِي ألفاظ القرآن: إنَّ الإثم الأمر المبطئ عن الخير المعوق عنه أو المؤخّر له ، وعبَّر عنها بكلمة أثيم ، وهي صيغة مبالغة من أثِم ، وصفة مشبهة تدل على حال دائمة مستمرة ، فهي تدل على أنه فعل الإثم كثيرًا ، ولذلك وصف بصيغة الصفة المشبهة ، وهو حال دائمة عنده ؛ إذ الصفة المشبهة تقتضي أن يكون الموصوف بها فِي حال دائمة فِي صفتها لا تفارقه ولا يفارقها ، وهنا معنيان كلاهما يدل على بلاغه اللفظ ، وعظم مؤداه:
أول المعنيين: ذكر الوصف الذي يشير إلى أنَّ سبب ذلك الجزاء هو الإثم الدائم الكثير الذي كان منه فِي الدنيا ، فالجزاء من جنس العمل ، والعدل يقتضي ألَّا يتساوى المسيء بالمحسن ، هل يستوي الأعمى والبصير؟
ثانيهما: إنَّ ذلك الثمر الكريه الذي تثمره شجرة من نار جهنم هو الطعام الدائم المستمر الذي لا يقدّم للطغاة إلّا هو ، فلا يذوقون طيبًا ؛ لأنَّهم لم يذيقوا الناس فِي الدنيا طيبًا ، وهو يكون جزاء الخبيث إلا خبثًا.
الكلمة الثالثة: كالمهل يغلي فِي البطون ، والمهل دردى الزيت ، أي: الراسب ، أو بقايا الزيت ، وتكون عادة سوداء معتمة ، ثم هي فِي ذاتها شيء رديء ، وأعطاه القرآن وصفًا وهو أنَّه يغلي فِي البطون ، فهو بقايا رديئة أصابها العطن لغليانها ، إمَّا لحموضتها ؛ إذ تغلي كالأشياء العطنة التي تتخمَّر وتغلي بالزبد ، وإمَّا لأنها تكون ذات حرارة شديدة تغلي من شدة هذه الحرارة ، ولعلَّ غليانها من الأمرين ، فهي متعفنة تغلي بالزبد من الحموضة ، أو هي حارة تغلي منها البطون لشدة الحرارة ، وفي كلتا الصورتين تدخل على البطون غذاءً وبيئًا ، إن كان فيه مادة الغذاء ، وليس غذاء مريئًا ، فهو إن يمنع غائلة الموت ويبقى فإنَّمَا يبقى لتستمر الآلام ، وتكون حياته نكدًا ، فطعام كريه فِي مذاقه وبيء فِي مآله ، مؤلم فِي كل أحواله.