ويعرض ميزان الحساب وعملية الوزن في سرعة واختصار.
{فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون. ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون. تلفح وجوههم النار وهم فيها كالحون} ..
وعملية الوزن بالميزان تجري على طريقة القرآن في التعبير بالتصوير ، وتجسيم المعاني في صور حسية ، ومشاهد ذات حركة.
ومشهد لفح النار للوجوه حتى تكلح ، وتشوه هيئتها ، ويكدر لونها.. مشهد مؤذ أليم.
وهؤلاء الذين خفت موازينهم خسروا كل شيء. فقد خسروا أنفسهم. وحين يخسر الإنسان نفسه فماذا يملك إذن؟ وما الذي يتبقى له. وقد خسر نفسه التي بين جنبيه ، وخسر ذاته التي تميزه ، فكأنما لم يكن له وجود.
وهنا يعدل عن أسلوب الحكاية إلى أسلوب الخطاب والمواجهة ، فإذا العذاب الحسي على فظاعته أهون من التأنيب والخزي الذي يصاحبه.
وكأنما نحن نراه اللحظة ونشهده في حوار ممض طويل:
{ألم تكن آياتي تتلى عليكم فكنتم بها تكذبون!} ..
وكأنما يخيل إليهم وقد سمعوا هذا السؤال إنهم مأذونون في الكلام ، مسموح لهم بالرجاء. وأن الإعتراف بالذنب قد يجدي في قبول الرجاء:
{قالوا: ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوماً ضالين. ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون} ..
وهو اعتراف تتجلى فيه المرارة والشقوة.. ولكن كأنما هم قد تجاوزوا حدهم وأساءوا أدبهم ، فلم يكن مأذوناً لهم في غير الإجابة على قدر السؤال. بل لعله كان سؤالاً للتبكيت لا يطلب عليه منهم جواب. فهم يزجرون زجراً عنيفاً قاسياً:
{قال: اخسأوا فيها ولا تكلمون} ..
إخرسوا واسكتوا سكوت الأذلاء المهينين ، فإنكم لتستحقون ما أنتم فيه من العذاب الأليم والشقاء المهين:
{إنه كان فريق من عبادي يقولون: ربنا آمنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الراحمين. فاتخذتموهم سخرياً حتى أنسوكم ذكري ، وكنتم منهم تضحكون} ..