والخلاصة: أثبت أيها الرسول على دينك ثباتاً لا يطمعون أن يجذبوك منه، ليزيلوك عنه. والمراد بذلك: تهييج حميته - صلى الله عليه وسلم - ، وإلهاب غضبه لله ولدينه ومثل هذا كثير في كتاب الله، وكأنه قد قيل له: تأس بالأنبياء قبلك في مشاركة القوم الظالمين، والإمساك عن مجادلتهم بعد اليأس من إيمانهم.
وقال: ابن جرير الطبري (17/ 199) : يقول تعالى: فلا ينازعنك هؤلاء المشركون بالله، يا محمد، في ذبحك ومنسكك بقولهم: أتأكلون ما قتلتم، ولا تأكلون الميتة التي قتلها الله، فإنك أولى بالحق منهم؛ لأنك محق وهم مبطلون. وذلك أن كفار قريش وخزاعة خاصموا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أمر الذبيحة، فقالوا: كيف تأكلون ما قتلتم، ولا تأكلون ما قتله الله يعنون الميتة.
وقرئ {فَلَا يُنَازِعُنَّكَ} بالنون الخفيفة. وقرأ أبو مجلز {فلا ينزعنك في الأمر} من النزع، بمعنى فلا يقلعنك من دينك، فيحملوك إلى أديانهم من نزعته من كذا، أو لا يستخفنك ولا يغلبنك على دينك، وقرأ الباقون: {يُنَازِعُنَّكَ} من المنازعة، بمعنى المخاصمة والمجادلة.
فائدة: وإنما قال: فيما سبق {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ} بواو العطف، وقال: هنا {لِكُلِّ أُمَّةٍ} ؛ لأن تلك وقعت مع ما يدانيها ويناسبها من الآية الواردة في أمر المناسك، فعطفت على أخواتها، وأمَّا هذه فواقعة مع أباعد عن معناها، فلم تجد معطفًا. قاله الزمخشري. {وَادْعُ} هؤلاء المنازعين، أو ادع الناس كافة، ولا تخص أمة دون أمة بالدعوة، فإن كل الناس أمتك {إِلَى رَبِّكَ} ؛ أي: إلى توحيد ربك، وعبادته حسبما بين لهم في منسكهم وشريعتهم {إِنَّكَ} يا محمد {لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ} ؛ أي: على طريق مستقيم لا اعوجاج فيه؛ أي: على طريق موصل إلى الحق، وشريعة توصل إلى السعادة الأبدية. ونحو الآية قوله: {وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ} .