وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ: {وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ} فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْعِرَاقِ وَالْحِجَازِ: (تَدْعُونَ) بِالتَّاءِ عَلَى وَجْهِ الْخَطَّابِ؛ وَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْعِرَاقِ غَيْرَ عَاصِمٍ بِالْيَاءِ عَلَى وَجْهِ الْخَبَرِ، وَالْيَاءُ أَعْجَبُ الْقِرَاءَتَيْنِ إِلَيَّ، لِأَنَّ ابْتِدَاءَ الْخَبَرِ عَلَى وَجْهِ الْخَطَّابِ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (63) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: {أَلَمْ تَرَ} يَا مُحَمَّدُ {أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً}
يَعْنِي مَطَرًا، {فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً} بِمَا يَنْبُتُ فِيهَا مِنَ النَّبَاتِ. قَالَ: {فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ} فَرَفَعَ، وَقَدْ تَقَدَّمَهُ قَوْلُهُ: {أَلَمْ تَرَ} وَإِنَّمَا قِيلَ ذَلِكَ كَذَلِكَ لِأَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ الْخَبَرُ، كَأَنَّهُ قِيلَ: اعْلَمْ يَا مُحَمَّدُ أَنَّ اللَّهَ يُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ؛ وَنَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
[البحر الطويل]
أَلَمْ تَسْأَلِ الرَّبْعَ الْقَدِيمَ فَيَنْطِقُ؟ ... وَهَلْ تُخْبِرَنْكَ الْيَوْمَ بَيْدَاءُ سَمْلَقُ؟
لِأَنَّ مَعْنَاهُ: قَدْ سَأَلْتُهُ فَنَطَقَ.
{إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ} بِاسْتِخْرَاجِ النَّبَاتِ مِنَ الْأَرْضِ بِذَلِكَ الْمَاءِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ ابْتِدَاعِ مَا شَاءَ أَنْ يَبْتَدِعَهُ.
{خَبِيرٌ} بِمَا يَحْدُثُ عَنْ ذَلِكَ النَّبْتِ مِنَ الْحَبِّ وَبِهِ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (64) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: لَهُ مُلْكُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَيْءٍ , هُمْ عَبِيدُهُ وَمَمَالِيكُهُ وَخَلْقُهُ، لَا شَرِيكَ لَهُ فِي ذَلِكَ وَلَا فِي شَيْءٍ مِنْهُ، وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ عَنْ كُلِّ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ خَلْقِهِ , وَهُمُ الْمُحْتَاجُونَ إِلَيْهِ، الْحَمِيدُ عِنْدَ عِبَادِهِ فِي إِفْضَالِهِ عَلَيْهِمْ , وَأَيَادِيهِ عِنْدَهُمْ.