فإن قيل فقد يوهم ذلك أن علمه مستفاد من الكتاب وأيضاً فأي فائدة في ذلك الكتاب والجواب عن الأول: أن كتبه تلك الأشياء في ذلك الكتاب مع كونها مطابقة للموجودات من أدل الدلائل على أنه سبحانه غني في علمه عن ذلك الكتاب وعن الثاني: أن الملائكة ينظرون فيه ثم يرون الحوادث داخلة في الوجود على وفقه فصار ذلك دليلاً لهم زائداً على كونه سبحانه عالماً بكل المعلومات.
أما قوله: {إِنَّ ذلك عَلَى الله يَسِيرٌ} فمعناه أن كتبه جملة الحوادث مع أنها من الغيب مما يتعذر على الخلق لكنها بحيث متى أرادها الله تعالى كانت فعبر عن ذلك بأنه يسير ، وإن كان هذا الوصف لا يستعمل إلا فينا من حيث تسهل وتصعب علينا الأمور ، وتعالى الله عن ذلك ثم بين سبحانه ما يقدم الكفار عليه مع عظيم نعمه ، ووضوح دلائله.
فقال: {وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله مَا لَمْ يُنَزّلْ بِهِ سلطانا وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ} فبين أن عبادتهم لغير الله تعالى ليست مأخوذة عن دليل سمعي وهو المراد من قوله: {مَا لَمْ يُنَزّلْ بِهِ سلطانا} ولا عن دليل عقلي وهو المراد من قوله: {وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ} وإذا لم يكن كذلك فهو عن تقليد أو جهل أو شبهة ، فوجب في كل قول هذا شأنه أن يكون باطلاً ، فمن هذا الوجه يدل على أن الكافر قد يكون كافراً ، وإن لم يعلم كونه كافراً ، ويدل أيضاً على فساد التقليد.
أما قوله: {وَمَا للظالمين مِن نَّصِيرٍ} ففيه وجهان: أحدهما: أنهم ليس لهم أحد ينتصر لهم من الله كما قد تتفق النصرة في الدنيا والثاني: ما لهم في كفرهم ناصر بالحجة فإن الحجة ليست إلا للحق ، واحتجت المعتزلة بهذه الآية في نفي الشفاعة والكلام عليه معلوم.