ثم يقول الحق سبحانه: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي الأرض والفلك تَجْرِي فِي البحر بِأَمْرِهِ . .}
هذه الآية امتداد للآية السابقة ، فما في السماء وما في الأرض مِلْك له سبحانه لكنه سخَّره لمنفعة خَلْقه ، فإنْ سأل سائل: فلماذا لا يجعلها الله لنا ويُملكنا إياها؟ نقول: لأن ربك يريد أنْ يُطمئِنك أنه لن يعطيها لأحد أبداً ، وستظل مِلْكاً لله وأنت تنتفع بها ، وهل تأمن إنْ ملّكها الله لغيره أنْ يتغيّر لك ويحرمك منها؟ فأمْنُك في أن يظل الملْك لله وحده ؛ لأنه ربك ومُتولّيك ، ولن يتغير لك ، ولن يتنكّر في منفعتك .
وقوله تعالى: {والفلك تَجْرِي فِي البحر بِأَمْرِهِ . .} [الحج: 65] الفُلْك: السفن ، تُطلق على المفرد وعلى الجمع ، تجري في البحر بأمره تعالى ، فتسير السفن بالريح حيث أمرها الله ، كما قال سبحانه: {وَتَصْرِيفِ الرياح . .} [البقرة: 164] وهذه لا يملكها ولا يقدر عليها إلا الله ، وقال في آية أخرى: {إِن يَشَأْ يُسْكِنِ الريح فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ على ظَهْرِهِ . .} [الشورى: 33] .
وتأمَّل دِقَّة الأداء القرآني من الله الذي يعلم ما كان ، ويعلم ما يكون ، ويعلم ما سيكون ، فلقائل الآن أنْ يقول: لم نَعُد في حاجة إلى الريح تُسيِّر السفن ، أو توجهها ؛ لأنها أصبحت تسير الآن بآلات ومحركات ، نعم السفن الآن تسير بالمحركات ، لكن للريح معنى أوسع من ذلك ، فالريح ليست هذه القوة الذاتية التي تدفع السفن على صفحة الماء ، إنما الريح تعني القوة في ذاتها ، أياً كانت ريحاً أم بُخَاراً أم كهرباء أم ذرة . . إلخ .
بدليل قوله تعالى: {وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ . .} [الأنفال: 46] يعني: تذهب قوتكم أيًا كانت هذه القوة حتى الصياد الذي يركب البحر بقارب صغير يُسيِّره بالمجاديف بقوة يده وعضلاته هي أيضاً قوة ، لا تخرج عن هذا المعنى .