ووجه ذلك ، والله أعلم: أن سورة الحج ورد فيها ما يستدعي هذا التأكيد بالضمير المنفصل ويناسبه ، وهو تكرر الإشارة إلى آلهتهم والإفصاح بذكرهم تعريفاً بوهن مرتكبهم وشنيع حالهم ، وأوضح هذا المتكرر وأشده ملاءمة الإتيان بهذا الضمير المعد فصلاً أو مبتدأ قوله تعالى: (وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ) (الحج: 31) ، وقوله في آخر السورة: (إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ) (الحج: 73) ، فهذه الآية والتي ذكرنا قبلها أنسب شيء لقوله: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ) (الحج: 62) ، فورد قوله تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ) الآية بناء على قوله: (وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ) ، وتمهيداً وتوظئه لما وبخوا به بعدها وقرعوا مما لا يجدون عليه جواباً من قوله: (لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ) (الحج: 73) إلى قوله: (مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ) (الحج: 74) . (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ) (الحج62) ، فتأمل عظيم هذه المناسبة والتئام هذه الآية العظيمة ، ولو لم تتقدم الآية المتقدمة من قوله: (وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ) (الحج: 31) الآية لكانت الأخيرة وهي قوله: (إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا) (الج: 73) والتقديم والتأخير مما يرتكبه العرب كثيراً ، ويوجد في فصيح كلامهم ، ومن نحو هذه الآية التي بنينا مفهومها على تقدير التقديم