وهذا قوله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلا نَبِيّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ) ، أي إلا إذا قدر لنفسه شيئا يريده ويحبه ويتمناه إلا وجد الشيطان لنفسه الذريعة التي ينفذ منها بوسوسته، فيلقي ما يوسوس في أمنيته ما يتمناه، ولكن النبي له إرادة حاكمة، وفي قلبه نور وهدى، وبهذه الإرادة والنورانية التي قذفها اللَّه في قلبه يزيل بها الله تعالى ما وسوس به الشيطان، ثم يحكم اللَّه آياته، أي ينزلها محكمة لَا ريب فيها، وهدى للعالمين، واللَّه سبحانه وتعالى عليم حكيم، يعلم كل شيء ويدبره.
ويذكر بعض علماء الأثر قصة الغرانيق العلا الذي ادُّعيَ فيها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سُحِر، وقال عن اللات والعزى: تلك الغرانيق العلا، وإن شفاعتهن لترتجى، فهي قصة باطلة كاذبة مهما يكن راويها، ومنزلته في الرواية، فتصديقها يؤدي إلى الطعن في الرسالة المحمدية، وتكذيب راوٍ في قصة مهلهلة خير من تكذيب الرسالة والرسول، ومن يقبلها فهو في غفلة لَا يلتفت إليه، ويجب أن ننبه هنا إلى أمرين:
الأمر"الأول"- أننا لسنا بالنسبة لرواية أحاديث النبي - صلى الله عليه وسلم - ممن يسبقون بالقول فنقدم الشك في الرواية على تصديقها ما دامت رواية ثقات، ولم يكن من النصوص الثابتة ما يخالفها.
الأمر الثاني - أننا لَا نقدم ما يرويه الراوي مهما يكن ثقة على نص قطعي غير قابل للتخصيص، فكيف نقدم رواية تؤدي إلى الطعن في صدق الرسالة المحمدية كلها ككون النبي - صلى الله عليه وسلم - سُحِر، وقال عن اللات والعزى: تلك الغرانيق العلا، فهذا كذب لَا يمترِي في تكذيبه مؤمن.
وننبه أيضا إلى أن الشيطان يأتي قلوب الناس يوسوس فيها من ناحية أمانيهم، وقد أزال تعالى ذلك عن أنبيائه بالنص القرآني القاطع، وادعاء سحره يناقض ذلك النص القاطع، أما غيرهم فإنه يغويهم لأنهم ليسوا عباد اللَّه المخلصين، والأنبياء بلا ريب من عباده المخلصين، وقال تعالى:
(لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ(53)