فهي سنة مطردة في الرسالات كلها ، قبل الرسالة الأخيرة ، أن يجيء الرسل بالآيات فيكذب بها المكذبون. فليس الرسول صلى الله عليه وسلم بدعا من الرسل حين يكذبه المشركون. والعاقبة معروفه ، والسنة مطردة {فقد كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وثمود وقوم إبراهيم وقوم لوط} .. ويفرد موسى بفقرة خاصة: {وكذب موسى} أولاً. لأنه لم يكذب من قومه كما كذب هؤلاء من قومهم ، إنما كذب من فرعون وملئه. وثانياً لوضوح الآيات التي جاء بها موسى وتعددها وضخامة الأحداث التي صاحبتها.. وفي جميع تلك الحالات أملى الله للكافرين حيناً من الزمان كما يملي لقريش ثم أخذهم أخذاً شديداً.. وهنا سؤال للتهويل والتعجيب: {فكيف كان نكير؟} .. والنكير هو الإنكار العنيف المصحوب بالتغيير. والجواب معروف. فهو نكير مخيف! نكير الطوفان والخسف والتدمير والهلاك والزلازل والعواصف والترويع..
وبعد الاستعراض السريع لمصارع أولئك الأقوام يعمم في عرض مصارع الغابرين:
{فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة ، فهي خاوية على عروشها ؛ وبئر معطلة ، وقصر مشيد} .
فهي كثيرة تلك القرى المهلكة بظلمها. والتعبير يعرض مصارعها في مشهد شاخص مؤثر: {فهي خاوية على عروشها} .. والعروش السقوف ، وتكون قائمة على الجدران عند قيام البناء. فإذا تهدم خرت العروش وسقطت فوقها البنيان ، وكان منظرها هكذا موحشاً كئيباً مؤثراً. داعياً إلى التأمل في صورتها الخالية وصورتها البادية. والربوع الخربة أوحش شيء للنفس وأشدها استجاشة للذكرى والعبرة والخشوع.
وإلى جوار القرى الخاوية على عروشها.. الآبار المعطلة المهجورة تذكر بالورد والورّاد ؛ وتتزاحم حولها الأخيلة وهي مهجورة خواء.
ثم إلى جوارها القصور المشيدة وهي خالية من السكان موحشة من الأحياء ، تطوف بها الرؤى والأشباح ، والذكريات والأطياف!
يعرض السياق هذه المشاهد ثم يسأل في استنكار عن آثارها في نفوس المشركين الكفار: