ثم إن ثبت ما ذكر ابن عَبَّاسٍ وعامة من ذكرنا، حيث قالوا: جرى على لسانه ذلك، فجائز عندنا جرى الخطأ على لسان من عصم إذا عرف السامع منه مذهبه ودينه الذي يدين به، عرف أن ما جري غلطا وخطأ، نحو من يعتقد مذهبًا وينتحل نحلة، فجرى على لسانه خلاف ما يعرف منه الاعتقاد، يعرف أنه جرى على لسانه غلطًا، فعلى ذلك الذي ذكره أهل التأويل؛ إن ثبت ما ذكروا عنه أنه قال ذلك.
والأشبه فيه ما ذكرنا من إلقاء الشيطان في قلوب الكفرة ما يجادلون به رسول الله ويحاجونه، كقوله: (وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ...) الآية.
وقَالَ الْقُتَبِيُّ: (إِلَّا إِذَا تَمَنَّى) أي: تلا القرآن (أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ) أي: في تلاوته. وكذلك قال أَبُو عَوْسَجَةَ، وقال: أمانِيَّ مشددة جمع.
وقال غيرهما: إذا تمنى: إذا حدث، وفي أمنيته: في حديثه.
قَالَ بَعْضُهُمْ: تمنى وأمنيته: هو من تمني النفس، كقوله: (وَلَا تَتَمَنَّوْا...) الآية، ونحوه وهو قول الحسن: تمنى كبعض ما تمنى الناس من الدنيا.
وقال قتادة: تمنى ما ذكرنا من تمني النفس أن يذكر آلهتهم التي كانت تدعى وترجى شفاعتهن، على ما ذكرنا، واللَّه أعلم.
وقوله: (لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ(53)
هذا تأويل القوم: ليجعل ما يُلقي الشيطان في قلوب أُولَئِكَ الكفرة فتنة للذين ذكر؛ لما ظنوا لعله لا يقدر الإجابة لهم، أو لا يحضره ما يجيبهم؛ فيكون ذلك فتنة لهم، واللَّه أعلم.
وقوله: (فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ) كأنهم هم المنافقون؛ لأنهم هم الموصوفون المسمون بهذا الاسم، كقوله: (وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا) .