برقت صحيفة وجه والده ومضى على غلوائه يجري
تعني أنه خرج وجهه من الغبار دون وجه رسيله سبقا.
ثم قالت في الحاق الولد بالوالد في الفضل:
أولى فأولى أن يساويه لو لا جلال السن والكبر
تريد أن الولد كان قادرا على مساواة الوالد لو لا ما التزمه من الأدب مع برّ أبيه ، ومعرفته بحقه ، فغض من عنانه وخفض جناح فضله ليؤثر أباه بالفضل على نفسه.
والآية الكريمة ساوت بين داود وسليمان في التأهل للحكم وشركت بينهما فيه حيث قالت:"إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ"وأخبرت ان اللّه سبحانه فهم سليمان إصابة الحكم ففضل أباه بذلك بعد المساواة ثم التفت سبحانه ، إلى مراعاة حق الوالد فقال:"وَكُلًّا آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً"فرجعا بذلك إلى المساواة بعد ترجيح سليمان ليعلم الولد بذلك بر الوالد ويعرفه ما له عليه من الحق حتى إذا فكر الناظر في هذا الكلام وقال: من أين جاءت المساواة في الحكم والعلم بعد الاخبار بأن سليمان فهم من الحكم ما لم يفهمه أبوه؟ علم أن حق الأبوة قام مقام تلك الفضيلة فحصلت المساواة وحصل في هذا الكلام من الزيادة على معنى الخنساء بعد اشتراكهما في جمع المختلف والمؤتلف ضرب آخر من المحاسن يقال له الالتفات وذلك في قوله تعالى فيها"وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ"وأدمج في هذا الالتفات ضربا آخر من المحاسن يقال له"التنكيت"فإن النكتة التي من أجلها جمع الضمير الذي كان من حقه أن يكون مثنى هي الإشارة إلى أن هذا الحكم متبع يجب الاقتداء به لأنه عين الحق ونفس العدل وكيف لا يكون كذلك وقد أخبر سبحانه أنه شاهد له أي هو مراعى بعينه عز وجل ويجوز أن يكون جمع الضمير الذي أضيف إليه الحكم من أجل أن الحكم يستلزم حاكما ومحكوما له ومحكوما عليه فجمع الضمير لأجل ذلك.