أما الجانب الآخر لهذه المظاهر فهو ما عكسه الرسول (صلى الله عليه وسلم) في واقع أداءه لوظيفته المتمثلة في دعوة الناس. وإنه وإن كانت الرحمة فيما انعكست عليه تتمثل فيهما الدعوة والوظيفة الأساس، إلا أن هذا التقسيم يبتغى من وراءه التأكيد على أن الرحمة المحمدية لم تكن رحمة مصطنعة لتأدية مهمة الرسالة، بل كانت رحمة متأصلة في الذات، ومعجزة من المعجزات، والتي استطاع المصطفى (صلى الله عليه وسلم) أن يوظفها تحقيقا لهدف رسالته ودعوته.
إن هذه الرحمة يقوم على تحقيق فلسفة تغيير حضاري راق، تدور بين الرفق حسب ما يقتضيه خلق الرحمة المتأصل في الذات، والموظّف في سبيل نشر الدين، والعنف حسب ما يقتضيه منطق العدالة الذي يفرض نفسه كحاجة تعامل تقتضيها الفطرة التي فطر الله الناس عليه، وهي فطرة التدافع.
لقد كان استيعاب الرحمة الدعوية لواقع حياة المصطفى (صلى الله عليه وسلم) استيعابا شاملا، فقد كانت منهجا للدعوة في وقت السلم ولا منهج غيره. كما أنها كانت تتأتى في منطق البطش والحرب؛ وذلك تأكيدا لما تهدف إليه المنهجية الإسلامية من هذا المنطق، والمتمثل بالتعامل وعلى قدر الحاجة وفق ما تقتضيه فطرة الله في أرضه بسنة التدافع.