"...يقول مارسيل بوازار (منذ استقر النبي محمد(صلى الله عليه وسلم) في المدينة، غدت حياته جزءاً لا ينفصل من التاريخ الإسلامي، فقد نقلت إلينا فعاله وتصرفاته في أدق تفاصيلها، ولما كان منظماً شديد الحيوية، فقد أثبت نضالية في الدفاع عن المجتمع الإسلامي الجنيني، وفي بث الدعوة، وبالرغم من قتاليته ومنافحته، فقد كان يعفو عند المقدرة، ولكنه لم يكن يلين أو يتسامح مع أعداء الدين، ويبدو أن مزايا النبي الثلاث، الورع والقتالية والعفو عند المقدرة قد طبعت المجتمع الإسلامي في أبان قيامه وجسدّت المناخ الروحي للإسلام، وكما يظهر التاريخ الرسول (صلى الله عليه وسلم) قائداً عظيماً ملء قلبه الرأفة. يصوره كذلك رجل دولة صريحاً قوي الشكيمة له سياسته الحكيمة التي تتعامل مع الجميع على قدم المساواة وتعطي كل صاحب حق حقه، ولقد استطاع بدبلوماسيته ونزاهته أن ينتزع الاعتراف بالجماعة الإسلامية عن طريق المعاهدات في الوقت الذي كان النصر العسكري قد بدأ يحالفه، وإذا تذكرنا أخيراً على الصعيد النفساني هشاشة السلطان الذي كان يتمتع بع زعيم من زعماء العرب، والفضائل التي كان أفراد المجتمع يطالبونه بالتحلي بها، استطعنا أن نستخلص أنه لا بد أن يكون محمد (صلى الله عليه وسلم) الذي عرف كيف ينتزع رضا أوسع الجماهير به إنسانا فوق مستوى البشر حقاً، وأنه لا بد أن سكون نبياً حقيقياً من أنبياء الله). (63) "
إن الشاهد في مقولة مارسيل بوازار ما قرره في حق نبي الله محمد (صلى الله عليه وسلم) ، فهو على الرغم من قتاليته ومنافحته، فإنه كان يعفو عند المقدرة. وهو مع ذلك لم يكن يلين أو يتسامح مع أعداء الدين.
لقد جمع النبي (صلى الله عليه وسلم) بين مزايا ثلاث، وهي الورع والقتالية والعفو عند المقدرة. وكما يظهر التاريخ الرسول (صلى الله عليه وسلم) قائداً عظيماً ملء قلبه الرأفة والرحمة والشفقة. ولعل المستنتج من هذه الحقيقة التي عرضها مارسيل أن الرسول (صلى الله عليه وسلم) اتخذ منهج التوازن العقلاني الذي يتلائم مع الواقع، وذلك على نحو يخدم تحقيقه لهدفه ببلوغ دعوة الإسلام على أقاصي الأرض وأدانيها.