لقد كفل الدين الإسلامي في أعقاب المعركة العسكريّة للأسرى حقوقهم إذا تحققت فيهم العبرة المرجوّة المستهدفة من الحرب الإسلاميّة، ويؤكد على ذلك قول رسول الله (صلى الله عليه وسلّم) : (استوصوا بالأسارى خيرا) . (59) ، ويقول أبو السعود في تفسير قول الله تعالى: {ويطعمون الطعام على حبّه مسكينا ويتيما وأسيرا} . (60) . وقد كان (صلى الله عليه وسلّم) يؤتى بالأسير فيدفعه إلى بعض المسلمين ويقول له: (أحسن إليه) ، وفي ذلك دليل على حظ الرسول (صلى الله عليه وسلّم) المسلمين على الرحمة والرفق بالأسير من جيش الكفار.
وبهذا ضمن الإسلام للأسير حياة بعيدة عن غضب القلب المشتعل لحظة المعركة، ووضحت بذلك أهميّة الجهاد النفسي الذي يتحلّى به المسلم؛ وذلك ليكون صمام الأمان لصيانة هذه التعاليم في لحظات يغلي الدم فيها بالطبع، فيمتنع المسلم عن إلحاق أي أذى بالأسير، بل ليدرك أن الوصيّة النبويّة والقرآن تلزمه بإكرام الأسارى.
وفي هذا الإكرام لقاء مع منهج الدعوة إلى الله بالكلمة الطيّبة، فلربما كانت المعاملة الحسنة سببا لدخول بعض الأسارى في الإسلام، وذلك غاية ما يحرص عليه المسلم، وغاية ما قامت من أجله الحرب.
...لقد اتضح من خلال استعراض ما سبق أن الرحمة العالمية بمعانيها ومقاصدها قد تجلت واضحة في مختلف مواقف الرسول (صلى الله عليه وسلّم) في حياته. كما اتضح كذلك أن الرحمة المحمدية بمظاهرها قد اخترقت مختلف تصرفات الرسول (صلى الله عليه وسلّم) ومواقفه في الحياة مع المسلمين ومع غيرهم، وحتى مع أجناس غير أجناس البشر.
...إن هذه المفاهيم حول الرحمة المحمدية قد أكدت الحقائق والمظاهر التي كانت عليها، والتي لنا فيها أسوة حسنة، وهي بأنواعها سواء أكانت رحمة ذاتية شخصية، أو رحمة دعوية نبوية تصب في النهاية في سبيل تحقيق أهداف الدعوة إلى دين الله تعالى. حيث استطاع رسول الله (صلى الله عليه وسلّم) أن يوظّفها خير توظيف في سبيل تحقيق أهدافه، سواء الشخصية بكسب ود الناس وذكرهم له ولمعاملته بالخير حتى بعد وفاته، أو كانت رحمة دعوية يبتغي من ورائها نشر دين الله تعالى في ربوع أرضه.