وفي وقت الحرب تقتضي فطرة الإنسان أن يكون المحارب شرسا يسعى لدحر عدوه بمختلف الوسائل، وذلك بحكم سعيه إلى النصر والغلبة على عدوه، ومن ثم دحره وإنهاء أمره، وتاريخ الحروب يؤكد على هذه الحقيقة. أما حرب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وغزواته فلم تكن كذلك، فهي تهدف إما للدفاع وإما لنشر الدين، والوسيلة لتحقيق ذلك تقتصر على ما يحقق الهدف، وفي ذلك رحمة الحرب في المنهجية المحمدية، إذ يقتصر أثرها على ما يمكن من خلاله تحقيق الهدف وهو نشر الدين ولا شيء غير ذلك.
أولا: فلسفة الحرب في منهجية الدعوة المحمدية
...إن الحرب في نظر رسول الله (صلى الله عليه وسلّم) وسيلة وليست غاية، فهي لضمان مسيرة الدعوة إلى الله تعالى، ونشر العدل، فهي حرب إنسانية لا تستهدف إراقة الدماء، ولا إذلال الرقاب. وقد ورد التأكيد على ذلك في وصايا الرسول (صلى الله عليه وسلّم) لقواد جيوشه، وهو ما يقرر لنا الفلسفة التي كانت تقوم عليها حرب رسول الله (صلى الله عليه وسلّم) . (53)
ومن أهم الدلائل التي تعكس هذه الفلسفة التي يقوم عليها منطق الحرب والبطش في الإسلام، وأنه لا يعدو إلا كونه وسيلة قد فرضتها طبيعة الحياة البشرية التي تقتضي الصراع قصة فتح مكّة، والتي تعد من أعظم الفتوحات الإسلامية.
لقد أنقذ النبي (صلى الله عليه وسلّم) في هذه المعركة أهل مكّة وجنّبهم ما كان يتهددهم من القتل والأسر، وعهد إلى أمرائه ألا يقاتلوا إلا من قاتلهم، ولم يخدش مشاعر المغلوبين من قومه وعشيرته، وهم أهل نخوة وشمم، وهذا جانب آخر من رحمته تمثل في اجتنابه إيلام المشاعر، والذي تقرر عندما قال لهم القائد المنتصر: (يا معشر قريش، ما ترون أني فاعل فيكم؟) . قالوا: (أخ كريم وابن أخ كريم) .قال: (اذهبوا فأنتم الطلقاء) . (54)
ثانيا: المعاني السامية لأخلاقيات الحرب وآدابها
...إن البطولة الجهاديّة في الإسلام لا تكمن في قدرة المجاهد على القتل، بل تكمن في قدرته على التحكّم في النفس لحظة القتال.
...ولا تكمن الرجولة في الثبات على الموقف في ميدان المعركة، بمقدار ما تكمن في الثبات على المبدأ في ساحة القتال....