...ولا ريب أن الكلام البذيء الفاحش المسيء له من صناديد قريش وعتاتها كلام في أصحاب النفوس الأبية، والأخلاق الرضية، ويتأثرون به أضعاف ما يتأثر به غيرهم، وإن الأفعال المؤذية لتعمل في نفوسهم أضعاف ما تعمل في غيرهم ممن لا خلاق له ولا خلق، فما ظنّك بنفسية سيدنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) التي هي مجمع الكمال والأفضال ومصدرها، وما الظن من تأثره بالكلام المؤذي، والفعل المسيء إليه.
...لقد كان المشركون يتصدّون له بالعداوة، ويقابلونه بأنواع الأذى بجموعهم وجماهيرهم، وبأفرادهم ونسائهم وصبيانهم.
...ومن أبرز المواقف التي عكست مدى البون الشاسع التي اتخذته الرحمة في قلب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ، ما كان متمثلا في صبره على أذى قريش وتعذيبهم.
"...ثبت في الصحيحين، من طريق عبد الله بن وهب، أخبرني يونس بن يزيد، عن ابن شهاب قال: أخبرني عروة بن الزبير، أن عائشة حدّثته أنها قالت لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) : هل أتى عليك يوم كان أشد عليك من يوم أحد؟"
قال: (ما لقيت من قومك كان أشد منه يوم العقبة، إذ عرضتُ نفسي على ابن عبد الليل بن عبد كَلال فلم يجبني إلي ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي ولم استفق إلا وأنا بقرن الثعالب، فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلّتني، فنظرت فإذا فيها جبريل(عليه السلام) ، فناداني فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك، وما ردوا عليك، وقد بعث لك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم.
ثم ناداني ملك الجبال فسلّم علي ثم قال: يا محمد قد بعثني الله. إن الله قد سمع قول قومك لك، وأنا ملك الجبال قد بعثني إليك ربك لتأمرني بما شئت. إن شئت تطبق عليهم الأخشبين، فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) : (أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئا) . (43)
"...عرض الرسول (صلى الله عليه وسلم) نفسه على القبائل، وبدء إسلام الأنصار، وقد كان النبي (صلى الله عليه وسلم) خلال هذه الفترة كلها يعرض نفسه في موسم الحج على القبائل التي تتوافد على مكة من كل سنة. يتلوا عليهم كتاب الله، ويدعوهم إلى توحيد الله فلا يستجيب له أحد."