إن الإسلام رسالة سلام ورحمة وخير وعطف على البشرية جمعاء. لذا كان (صلى الله عليه وسلم) يؤثر الوئام والسلام، بل هو رسول للسلام والرحمة.
إن المستقرئ لسيرة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يرى الرحمة متمثلة في كل فضيلة من هذه الفضائل، فالله جل وعلى أدبه فأحسن تأديبه ليكون قدوة للناس، وقد تحقق له (صلى الله عليه وسلم) تمام مكارم الأخلاق.
لقد أشيع أن الإسلام دين حقد وبطش على الآخرين، وهذه الشائعة يروج لها أعداء الإسلام باستمرار، ولابد من دحر هذه الشائعة وإنكار هذا الظلم في حق الإسلام. كما لا بد من التأكيد على أن الجهاد في الإسلام لا يعني الحقد على الكافرين، ويقرر ذلك ما أكده الرسول (صلى الله عليه وسلم) (اللهم أهد قومي فإنهم لا يعلمون) . كما طلب منه أصحابه صلى الله عليه وسلم عندما انصرفوا من حصار الطائف: (أدع الله على ثقيف) ، فقال: (اللهم أهد ثقيفاً وأت بهم) .
وقد غرس رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في أصحابه هذه الصفة، صفة الرحمة والرأفة لجميع خلق الله سبحانه وتعالى، وبالتالي أصبحت علاقة المسلمين بغير المسلمين تقوم على البر والتعاون والعدالة بل والمصاهرة ولاسيما أهل الكتاب. وقد كانت غزوات الرسول (صلى الله عليه وسلم) ، والسرايا التي بعثها النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) ما هي إلا حماية لحرية نشر الدعوة بحيث لا يكرهون أحداً على الدخول في الإسلام لأنه دين سلام وأمن وأمان.
أولا: صبره على أذى المشركين
...إن من أبرز دلائل الرحمة المتأصلة في ذاته (صلى الله عليه وسلم) ، والصورة النموذجية التي عكس بها استثماره لهذه الرحمة التي حباه الله إياها، فاستطاع أن يوظّفها ويستثمرها في سبيل نشر دعوته ومنهجه، هو صبره على أذى المشركين، وتحمّله للشدائد في سبيل الله تعالى.
...فقد كان من أولي العزم من الرسل، وكان صبره (صلى الله عليه وسلم) يفوق صبر الصابرين، وتحمّله لأنواع أذى المعاندين له يعلو تحمّل العالمين، فكم لقي من سفهاء قريش وأشدائهم من الغلظة والسفاهة والجفاء والشدّة.