وهي كذلك رحمة في مقاصدها، وتطبيقاتها، ووسائلها، وغاياتها؛ قال تعالى:"وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ" [الحج: 78] .
يقول الطاهر بن عاشور: «وحكمة تمييز شريعة الإسلام بهذه المزية أن أحوال النفوس البشرية مضت عليها عصور وأطوار تهيأت بتطوراتها لأن تُسَاس بالرحمة، وأن تُدفعَ عنها المشقة إلا بمقادير ضرورية لا تقام المصالح بدونها، فما في الشرائع السالفة من اختلاط الرحمة بالشدة، وما في شريعة الإسلام من تمحض الرحمة- لم يجر في زمن من الأزمان إلا على مقتضى الحكمة، ولكن الله أسعد هذه الشريعة والذي جاء بها والأمة المتبعة لها بمصادفتها للزمن والطور الذي اقتضت حكمة الله في سياسة البشر أن يكون التشريع لهم تشريع رحمة إلى انقضاء العالم.
فأقيمت شريعة الإسلام على دعائم الرحمة والرفق واليسر؛ قال تعالى:"وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ" [الحج: 78] ، وقال تعالى:"يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ اليُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ" [البقرة: 185] ، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «بُعِثتُ بالحَنِيفيَّةِ السَّمْحَةِ» [8] ». اهـ. [9] .
وكذلك الرحمةُ صفة الأمة المرحومة التي وصفها نبيُّها بمثل قوله: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ، إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى» [10] .
قال السعدي: «يخبر تعالى عن رسوله -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه من المهاجرين والأنصار: أنهم بأكمل الصفات، وأجل الأحوال، وأنهم"أَشِدَّاءُ عَلَى الكُفَّارِ"أي: جادون ومجتهدون في عداوتهم، وساعون في ذلك بغاية جهدهم، فلم يروا منهم إلا الغلظة والشدة، فلذلك ذَلَّ أعداؤهم لهم، وانكسروا، وقهرهم المسلمون، {رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} أي: متحابون متراحمون متعاطفون، كالجسد الواحد، يحب أحدهم لأخيه ما يحب لنفسه» [11] .
ثالثًا: بيان منزلة رحمته -صلى الله عليه وسلم-:
الرحمةُ كذلك صفة الرسول الأعظم -صلى الله عليه وسلم- التي لا تنفك عنه أبدًا، لا في سِلم ولا في حرب، ولا في حَضر ولا في سفر.