وجعل التوراة كذلك، {ضياء} يكشف ظلمات القلب والعقيدة، وظلمات الضلال والباطل. وهي ظلمات يتوه فيها العقل ويضل فيها الضمير. وإن القلب البشري ليظل مظلماً حتى تشرق فيه شعلة الإيمان، فتنير جوانبه، ويتكشف له منهجه، ويستقيم له اتجاهه، ولا تختلط عليه القيم والمعاني والتقديرات.
وجعل التوراة كالقرآن {ذكراً للمتقين} تذكرهم بالله، وتبقي لهم ذكراً في الناس. وماذا كان بنو إسرائيل قبل التوراة؟ كانوا أذلاء تحت سياط فرعون، يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم ويستذلهم بالسخرة والإيذاء.
ويخص المتقين {الذين يخشون ربهم بالغيب} لأن الذين تستشعر قلوبهم خشية الله ولم يروه، {وهم من الساعة مشفقون} فيعملون لها ويستعدون هؤلاء هم الذين ينتفعون بالضياء، ويسيرون على هداه، فيكون كتاب الله لهم ذكراً، يذكرهم بالله، ويرفع لهم ذكراً في الناس.
ذلك شأن موسى وهارون .. {وهذا ذكر مبارك أنزلناه} فليس بدعاً ولا عجباً، إنما هو أمر مسبوق وسنة معروفة {أفأنتم له منكرون؟} فماذا تنكرون منه، وقد سبقت به الرسالات؟
وبعد الإشارة السريعة إلى موسى وهارون وكتابهما يرتد السياق إلى حلقة كاملة من قصة إبراهيم، وهو جد العرب الأكبر وباني الكعبة التي يحشدون فيها الأصنام، ويعكفون عليها بالعبادة، وهو الذي حطم الأصنام من قبل.
والسياق يعرضه هنا وهو يستنكر الشرك ويحطم الأصنام.
والحلقة المعروفة هنا هي حلقة الرسالة. وهي مقسمة إلى مشاهد متتابعة، بينها فجوات صغيرة. وهي تبدأ بالإشارة إلى سبق هداية إبراهيم إلى الرشد. ويعني به الهداية إلى التوحيد. فهذا هو الرشد الأكبر الذي تنصرف إليه لفظة"الرشد"في هذا المقام.
{ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل، وكنا به عالمين} ..
آتينا رشده، وكنا عالمين بحاله وباستعداده لحمل الأمانة التي يحملها المرسلون.
{إذ قال لأبيه وقومه: ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون} ..