قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ اللَّهَ أَخْبَرَ عَنْ يُونُسَ أَنَّهُ نَادَاهُ فِي الظُّلُمَاتِ: {أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} وَلَا شَكَّ أَنَّهُ قَدْ عَنَى بِإِحْدَى الظُّلُمَاتِ: بَطْنَ الْحُوتِ، وَبِالْأُخْرَى: ظُلْمَةَ الْبَحْرِ، وَفِي الثَّالِثَةِ اخْتِلَافٌ، وَجَائِزٌ أَنْ تَكُونَ تِلْكَ الثَّالِثَةُ ظُلْمَةَ اللَّيْلِ، وَجَائِزٌ أَنْ تَكُونَ كَوْنَ الْحُوتِ فِي جَوْفِ حُوتٍ آخَرَ [1] .
وَلَا دَلِيلَ يَدُلُّ عَلَى أَيِّ ذَلِكَ مِنْ أَيٍّ، فَلَا قَوْلَ فِي ذَلِكَ أَوْلَى بِالْحَقِّ مِنَ التَّسْلِيمِ لِظَاهِرِ التَّنْزِيلِ.
وَقَوْلُهُ: {لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ}
يَقُولُ: نَادَى يُونُسُ بِهَذَا الْقَوْلِ مُعْتَرِفًا بِذَنْبِهِ , تَائِبًا مِنْ خَطِيئَتِهِ {إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} فِي مَعْصِيَتِي إِيَّاكَ.
[عن أَبي] هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"لَمَّا أَرَادَ اللَّهُ حَبْسَ يُونُسَ فِي بَطْنِ الْحُوتِ، أَوْحَى اللَّهُ إِلَى الْحُوتِ: أَنْ خُذْهُ , وَلَا تَخْدِشْ لَهُ لَحْمًا , وَلَا تَكْسِرْ عَظْمًا فَأَخَذَهُ، ثُمَّ هَوَى بِهِ إِلَى مَسْكَنِهِ مِنَ الْبَحْرِ , فَلَمَّا انْتَهَى بِهِ إِلَى أَسْفَلِ الْبَحْرِ، سَمِعَ يُونُسُ حِسًّا، فَقَالَ فِي نَفْسِهِ: مَا هَذَا؟ قَالَ: فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ وَهُوَ فِي بَطْنِ الْحُوتِ: إِنَّ هَذَا تَسْبِيحُ دَوَابِّ الْبَحْرِ , قَالَ: فَسَبَّحَ وَهُوَ فِي بَطْنِ الْحُوتِ، فَسَمِعَتِ الْمَلَائِكَةُ تَسْبِيحَهُ، فَقَالُوا: يَا رَبَّنَا , إِنَّا نَسْمَعُ صَوْتًا ضَعِيفًا بِأَرْضٍ غَرِيبَةٍ , قَالَ: ذَاكَ عَبْدِي يُونُسُ، عَصَانِي فَحَبَسْتُهُ فِي بَطْنِ الْحُوتِ فِي الْبَحْرِ [2] . قَالُوا: الْعَبْدُ الصَّالِحُ الَّذِي كَانَ يَصْعَدُ إِلَيْكَ مِنْهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ عَمَلٌ صَالِحٌ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَشَفَعُوا لَهُ عِنْدَ ذَلِكَ، فَأَمَرَ الْحُوتَ فَقَذَفَهُ فِي السَّاحِلِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: وَهُوَ سَقِيمٌ"
[1] كلام في غاية البعد لا دليل عليه، وما الذي يضطرنا إلى مثله والبحر كما صرح القرآن يشتمل على ظلمات متعددة قال تعالى (أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا)
[2] لا يخفى ما في هذه الرواية من بُعْدٍ بعيد، ولا دليل عليها لا تصريحا ولا تلويحا، ورائحة الإسرائيليات تفوح منها، والله أعلم ..