جراحةٌ إلا برِئت ، ثم ركض مرة أخرى فنبعت عينٌ أخرى فشرب منها فلم يبقَ في جوفه داءٌ إلا خرج وعاد صحيحاً ورجع إليه شبابُه وجمالُه ثم كُسِيَ حلة وذلك قوله تعالى: {فاستجبنا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرّ} فلما قام جعل يلتفت فلا يرى شيئاً مما كان له من الأهل والمالِ إلا وقد ضاعفه الله تعالى وذلك قوله تعالى: {وَءَاتًيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهمْ مَعْهمْ} وقيل: كان ذلك بأن وُلد له ضِعفُ ما كان ، ثم إن أمرأتَه قالت في نفسها: هبْ أنه طردني أفأترُكه حتى يموتَ جوعاً وتأكلَه السباع لأرجِعنّ إليه ، فلما رجعت ما رأت تلك الكُناسة ولا تلك الحال وقد تغيرت الأمورُ فجعلت تطوفُ حيث كانت الكُناسة وتبكي وهابت صاحبَ الحُلة أن تأتيَه وتسألَ عنه ، فأرسل إليها أيوبُ ودعاها فقال: ما تريدين يا أمةَ الله؟ فبكت وقالت: أريد ذلك المبتلى الذي كان ملقًى على الكناسة ، قال لها: ما كان منك؟ فبكت وقالت: بعْلي ، قال: أتعرِفينه إذا رأيتِه؟ قالت: وهل يخفى عليّ؟ فتبسم فقال: أنا ذلك فعرفته بضحكه فاعتنقتْه {رَحْمَةً مّنْ عِندِنَا وذكرى للعابدين} أي آتيناه ما ذُكر لرحمتنا أيوبَ وتذكرةً لغيره من العابدين ليصبِروا كما صبر فيُثابوا كما أثيب ، أو لرحمتنا العابدين الذين من جملتهم أيوبُ وذكْرِنا إياهم بالإحسان وعدمِ نسياننا لهم.
{وإسماعيل وَإِدْرِيسَ وَذَا الكفل} أي واذكرهم ، وذو الكِفل إلياسُ ، وقيل: يوشعُ بنُ نون ، وقيل: زكريا سُمّي به لأنه كان ذا حظ من الله تعالى أو تكفُّلٍ منه ، أو ضعفِ عمل أنبياءِ زمانه وثوابِه فإن الكفلَ يجيء بمعنى النصيب والكفالة والضِعْف {كُلٌّ} أي كل واحد من هؤلاء {مّنَ الصابرين} أي على مشاقّ التكاليف وشدائدِ النُّوَب ، والجملةُ استئنافٌ وقع جواباً عن سؤال نشأ من الأمر بذكرهم.