وبعد أنْ أعطاك ما يستبقي حياتك من الطعام والشراب والهواء أعطاك ما يستبقي نوعك بالزواج والتناسل .
وقوله تعالى: {السماوات العلى} [طه: 4] العلا: جمع عُليا ، كما نقول في جمع كبرى: كُبَر {إِنَّهَا لإِحْدَى الكبر} [المدثر: 35] .
وهكذا تكتمل مُقوِّمات التكوين العالي لخليفة الله في الأرض ، فكما أعطاه ما يقيم حياته ونوعه بخَلْق السماوات والأرض ، أعطاه ما يُقيم معنوياته بنزول القرآن الذي يحرس حركاتنا من شراسة الشهوات ، فالذي أنزل القرآن هو الذي خلق الأرض والسماوات العلا .
والصفة البارزة في هذا التكوين العالي للإنسان هي صِفَة الرحمانية ؛ لذلك قال بعدها: {الرحمن عَلَى العرش}
{الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (5) }
فالآية السابقة أعطتْنا مظهراً من مظاهر العطف والرحمة ، وهذه تعطينا مظهراً من مظاهر القَهْر والغَلَبة ، واستواء الرحمن تبارك وتعالى على العرش يُؤخَذ في إطار .
{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11] .
وسبق أن تكلمنا في الصفات المشتركة بين الحق سبحانه وبين خَلْقه ، فلَكَ سمعٌ وبصر ، ولله سمع وبصر ، لكن إياك أنْ تظن أن سمع الله كسمْعك ، أو أن بصره كبصرك .
كذلك في مسألة الاستواء على العرش ، فاللحقِّ سبحانه استواء على عرشه ، لكنه ليس كاستوائك أنت على الكرسي مثلاً .
والعرش في عُرْف العرب هو سرير المْلك ، وهل يجلس الملك على سريره ليباشر أمر مملكته ويدير شئونها إلا بعد أ نْ يستتبَّ له الأمر؟
وكذلك الخالق جَلَّ وعلا خلق الكون بأرضه وسمائه ، وخلق الخَلْق ، وأنزل القرآن لينظم حياتهم ، وبعد أن استتبَّ له الأمر لم يترك الكون هكذا يعمل ميكانيكياً ، ولم ينعزل عن كَوْنه وعن خَلْقه ؛ لأنهم في حاجة إلى قيوميته تعالى في خَلْقه .
ألم يقل الحق سبحانه في الحديث القدسي:"يا عبادي ناموا مِلْءَ جفونكم ، لأنِّي قَيُّوم لا أنام".