{وَقَالَتِ اليهود يَدُ الله} [المائدة: 64] الآية عنوا الوصف بالبخل ورد عليهم بأنه جل جلاله جواد من غير تصور يد ولا غل ولا بسط انتهى ، وتعقبه الإمام قائلاً: إنا لو فتحنا هذا الباب لانفتحت تأويلات الباطنية فإنهم يقولون أيضاً: المراد من قوله تعالى: {اخلع نَعْلَيْكَ} [طه: 12] الاستغراق في خدمة الله تعالى من غير تصور نعل ، وقوله تعالى: {يانار كُونِى بَرْداً وسلاما على إبراهيم} [الأنبياء: 69] المراد منه تخليص إبراهيم عليه السلام عن يد ذلك الظالم من غير أن يكون هناك نار وخطاب البتة.
وكذا القول في كل ما ورد في كتاب الله تعالى بل القانون أنه يجب حمل كل لفظ ورد في القرآن على حقيقته إلا إذا قامت دلالة عقلية قطعية توجب الانصراف عنه ، وليست من لم يعرف شيئاً لم يخص فيه انتهى ، ولا يخفى عليك أنه لا يلزم من فتح الباب في هذه الآية انفتاح تأويلات الباطنية فيما ذكر من الآيات إذ لا داعي لها هناك والداعي للتأويل بما ذكره الزمخشري قوي عنده ، ولعله الفرار من لزوم المحال مع رعاية جزالة المعنى فإن ما اختاره أجزل من معنى الاستيلاء سواء كان معنى حقيقياً للاستواء كما هو ظاهر كلام الصحاح والقاموس وغيرهما أو مجازياً كما هو ظاهر جعلهم الحمل عليه تأويلاً.
واستدل الإمام على بطلان إرادة المعنى الظاهر بوجوه.
الأول: أنه سبحانه وتعالى كان ولا عرش ولما خلق الخلق لم يحتج إلى ما كان غنياً عنه.
الثاني: أن المستقر على العرش لا بد وأن يكون الجزء الحاصل منه في يمين العرش غير الجزء الحاصل منه في يساره فيكون سبحانه وتعالى في نفسه مؤلفاً وهو محال في حقه تعالى للزوم الحدوث.