ونقل الواحدي عن مقاتل أن خلق السماوات مقدم ، واختاره كثير من المحققين لتقديم السماوات على الألاض في معظم الآيات التي ذكرا فيها واقتضاء الحكمة تقديم خلق الإشراف والسماء أشرف من الأرض ذاتاً وصفة مع ظاهر ءاية النازعات
{أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السماء بناها رَفَعَ} [النازعات: 27] الآية ، واختار بعض المحققين أن خلق السماوات بمعنى إيجادها بمادتها قبل خلق الأرض وخلقها بمعنى إظهارها بآثارها بعد خلق الأرض وبذلك يجمع بين الآيات التي يتوهم تعارضها ، وتقديم السماوات في الذكر على الأرض تارة والعكس أخرى بحسب اقتضاء المقام وهو أقرب إلى التحقيق ، وعليه وعلى ما قبله فتقديم خلق الأرض هنا قيل لأنه أوفق بالتنزيل الذي هو من أحكام رحمته تعالى كما ينبئ عنه ما بعد وقوله تعالى: {الرحمن عَلَّمَ القرءان} [الرحمن: 1 ، 2] ويرمز إليه ما قبل فإن الأنعام على الناس بخلق الأرض أظهر وأتم وهي أقرب إلى الحس.
وقيل: لأنه أوفق بمفتتح السورة بناء على جعل {طه} [طه: 1] جملة فعلية أي طأ الأرض بقدميك أو لقوله تعالى: {مَا أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ القرءان لتشقى} [طه: 2] بناء على أنه جملة مستأنفة لصرفه صلى الله عليه وسلم عما كان عليه من رفع إحدى رجليه عن الأرض في الصلاة كما جاء في سبب النزول ، ووصف السماوات بالعلى وهو جمع العليا كالكبرى تأنيث الأعلى لتأكيد الفخامة مع ما فيه من مراعاة الفواصل وكل ذلك إلى قوله تعالى: {لَهُ الأسماء الحسنى} [طه: 8] مسوق لتعظيم شأن المنزل عز وجل المستتبع لتعظيم المنزل الداعي إلى استنزال المتمردين عن رتبة العلو والطغيان واستمالتهم إلى التذكر والإيمان.
{الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (5) }
{الرحمن} رفع على المدح أي هو الرحمن.