قوله عز وجل: {وَقَرِّي عَيْنًا} يقال: قَرِرْتُ به عينًا أَقَرُّ بكسر العين في الماضي وفتحها في الغابر، وقَرَرْتُ به أيضًا أَقِرُّ بفتح العين في الماضي وكسرها في الغابر قُرَّةً وقُرُورًا فيهما لغتان بمعنى، وقد قرئ بهما غير أن اللغة الأولى أفصح، وعليها الجمهور من القُرّاء، والأمر على اللغة الأولى (قَرِّي) بفتح القاف، والأصل: اقْرَرِي فنقلت حركة الراء إلى القاف، وأدغمت في الثانية، فبقي (قَرِّي) . وعلى الثانية (قِرِّي) بكسر القاف، والأصل: اقْرِرِي، فنقلت الحركة وأدغمت فبقي قِرِّي كما ترى. و {عَيْنًا} : نصب على التمييز.
وقوله: {فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا} (فإما) أصله: (إنْ ما) (إِنْ) هي الشرطية، و (ما) صلة للتأكيد. وأصل (تَرَيِنَّ) : تَرْأَيين كَتَرْعَيِين، ووزنه:
تفعلين كتذهبين، فالراء فاء الفعل، والهمزة عينه، والياء الأولى لامه، فألقيت حركة الهمزة على الراء، وحذفت الهمزة تخفيفًا، فبقي (تَرَيِيْنَ) ثم أبدل من الياء المكسورة التي هي لام الفعل ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها، ثم حذفت الألف لسكونها وسكون ياء الضمير بعدها، فبقي (تَرَيْنَ) ووزنه تَفَيْنَ، ولما دخلت على إنْ الشرطية (ما) الصلة للتأكيد، دخلت في فعلها نون التأكيد الثقيلة، لأن زيادة (ما) تُؤْذِنُ بإرادة شدة التأكيد، وحذف النون - التي هي علم الرفع - للبناء، إذ الفعل يصير معها مبنيًا أبدًا، وكسرت الياء من (تَرَي) لالتقاء الساكنين، هي والنون الأولى من النونين اللتين أدغمت إحداهما في الأخرى بعدها، فبقي (تَرَيِنَّ) ، كما تقول للمرأة: اخْشَيِنَّ [فلانًا] ، وعلى هذا قراءة الجمهور.
وعن أبي عمرو: (تَرَئِنَّ) بالهمز على لغة من يقول: لبَّأتُ بالحج، وَحَلَّأتُ السويق، وذلك لما بين الهمزة وحروف اللين من المؤاخاة في القلب والإبدال، وأيضًا فقد حكي الهمزة في الواو التي هي نظيرة الياء في قوله عز وجل: {لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ} فَشَبَّه الياءَ لكونها ضميرًا وعلم تأنيث، بالواو من حيث كانت ضميرًا وعلم تذكير، وهمزها كما همزت وإن كان ترك الهمز فيهما هو الوجه؛ لأن الحركة فيهما لالتقاء الساكنين.