قوله عز وجل: {قَالَ كَذَلِكِ} محل الكاف الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: قال جبريل - عليه السلام - الأمر كذلك، يعني: كما قلت لك، وسمعته من هبة الولد لك، ثم ابتدأ {قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ} ، أو النصب بـ {قَالَ} الثاني، أي: قال مثل ذلك قال ربك، ثم ابتدأ {هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ} ، أي: خَلْقُ الولد من غير فحل عليَّ هين.
وقوله: {وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ} عطف على تعليل مضمر، أي: نخلقه من غير أب لندل به على قدرتنا، ولنجعله آية للناس. وقيل: تقديره: ولنجعله آية للناس نهبه لك.
وقوله: {وَرَحْمَةً مِنَّا} عطف على {آيَةً} ، والمعنى: نرحم به من صدقه وتبعه.
وقوله: {أَمْرًا مَقْضِيًّا} أي: وكان خَلْقه أمرًا محكومًا به، مفروغًا عنه، مسطورًا في اللوح.
{فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا (22) فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا (23) } :
قوله عز وجل: {فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ} والباء في {بِهِ} للحال, أي: اعتزلت وهو معها، يعني: في بطنها. و {مَكَانًا} : ظرف، أي: فانتبذت به في مكان، أو مفعول به على تأويل: فقصدت مكانًا. و {قَصِيًّا} : صفة لمكان، أي: بعيدًا من أهلها.
وقوله: {فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ} الجمهور على همز {فَأَجَاءَهَا} وهو منقول من جاء مُعَدّى بالهمزة إلى مفعول ثان، وهو {إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ} وفيه وجهان:
أحدهما: بمعنى ألجأها، والتركيب والزيادة على الشيء قد يغيران معنى الكلمة.
والثاني: بمعنى جاء بها، لأن هذا الفعل وشبهه يُعَدَّى تارة بالهمزة، ومرة بالياء، وأنشد:
412 -وَجَارٍ سَارَ مُعْتَمِدًا إِلَيْكُمْ ... أَجَاءَتْهُ المَخَافَةُ والرَّجَاءُ
أي: جاءت به. والأول تفسير المعنى، والثاني حقيقة اللفظ والصناعة فاعرفه.
وقرئ: (فاجأها) بغير همز، بوزن: فاعلها، وفيه وجهان، أحدهما: من المفاجأة. والثاني: أن أصلها الهمزة إلا أنه خفف على غير قياس كقوله:
413 -سألت هذيل. . . . . . ... . . . . . . . .
ونحو هذا مسموع لا مقيس.