قالت: والله ما رأيت أسيراً قطّ خيراً من خُبيب ؛ والله لقد وجدته يوماً يأكل من قِطْف عنب في يده ، وإنه لموثق بالحديد وما بمكة من ثمر ؛ وكانت تقول: إنه لرزق رزقه الله تعالى خُبيباً ؛ فلما خرجوا به من الحرم ليقتلوه في الحلّ قال لهم خُبيب: دعوني أركع ركعتين ؛ فتركوه فركع ركعتين ثم قال: لولا أن تظنوا أن ما بي جزع من الموت لزدت ؛ ثم قال: اللهمَّ أَحْصِهِم عدداً ، واقتلهم بَدَداً ، ولا تُبق منهم أحداً ؛ ثم قال:
ولست أبالي حِينَ أُقْتَلُ مُسْلِماً ...
على أيِّ شِقٍّ كان لله مَصْرَعِي
وذلك في ذاتِ الإلهِ وإنْ يَشَأْ ...
يبارِكْ على أوصالِ شِلْوٍ مُمَزَّعِ
فقتله بنو الحرث ، وكان خُبيب هو الذي سنّ الركعتين لكل امرئ مسلم قُتل صَبْراً ؛ فاستجاب الله تعالى لعاصم يوم أصيب ؛ فأُخبر النبيّ عليه الصلاة والسلام وأصحابه خبرهم وما أصيبوا.
وبعث ناسٌ من كفار قريش إلى عاصم حين حُدّثوا أنه قتل ليؤتوا بشيء منه يعرفونه ، وكان قد قتل رجلاً من عظمائهم يوم بدر ؛ فبعث الله على عاصم مثل الظُّلَّة من الدَّبْر فحمته من رُسلهم ، فلم يقدروا على أن يقطعوا من لحمه شيئاً.
وقال ابن إسحاق في هذه القصة: وقد كانت هذيل حين قتلِ عاصم بن ثابت أرادوا رأسه ليبيعوه من سُلاَفة بنت سعد بن شُهَيْد ، وقد كانت نذرت حين أصاب ابنيها بأُحُد لئن قَدَرتْ على رأسه لتشرَبنَّ في قَحْفِهِ الخمر فمنعهم الدَّبْر ، فلما حالت بينه وبينهم قالوا: دعوه حتى يُمسِي فتذهب عنه فنأخذه ، فبعث الله تعالى الوادي فاحتمل عاصماً فذهب ، وقد كان عاصم أعطى الله تعالى عهداً ألاَّ يمسَّ مشركاً ولا يمسَّه مشركٌ أبداً في حياته ، فمنعه الله تعالى بعد وفاته مما امتنع منه في حياته.