"البحث الثاني: رأيت في كتب الحكايات أن أهل تلك القرية لما سمعوا نزول هذه الآية استحيوا وجاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بحمل من الذهب وقالوا: يا رسول الله نشتري بهذا الذهب أن تجعل الباء تاءاً حتى تصير القراءة هكذا: فأتوا أن يضيفوهما."
أي أتوا لأن يضيفوهما ، أي كان إتيان أهل تلك القرية إليهما لأجل الضيافة ، وقالوا: غرضنا منه أن يندفع عنا هذا اللؤم فامتنع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال:
"إن تغيير هذه النقطة يوجب دخول الكذب في كلام الله ، وذلك يوجب القدح في الإلهية."
"فعلمنا أن تغيير النقطة الواحدة من القرآن يوجب بطلان الربوبية والعبودية ، ثم قال تعالى: {فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ} أي فرأيا في القرية حائطاً مائلاً ، فإن قيل كيف يجوز وصف الجدار بالإرادة مع أن الإرادة من صفات الأحياء قلنا هذا اللفظ ورد على سبيل الاستعارة ، وله نظائر في الشعر قال:"
يريد الرمح صدر أبي براء.. ويرغب عن دماء بني عقيل
وأنشد الفراء:
إن دهراً يلف شملي بجمعل.. لزمان يهم بالإحسان
وقال الراعي
في مهمة فلقت به هاماتها.. فلق الفؤوس إذا أردن نصولا
ونظيره من القرآن قوله تعالى: {وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى الغضب} وقوله: {أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ} وقوله: {قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ} وقوله: {أَن يَنقَضَّ} يقال انقض إذا أسرع سقوطه من انقضاض الطائر وهو انفعل مطاوع قضضته.
وقيل: انقض فعل من النقض كأحمر من الحمرة ، وقرئ أن ينقض من النقض ، وأن ينقاض من انقاضت العين إذا انشقت طولاً ، وأما قوله: {فَأَقَامَهُ} قيل نقضه ثم بناه ، وقيل: أقامه بيده ، وقيل: مسحه بيده فقام واستوى وكان ذلك من معجزاته ، واعلم أن ذلك العالم لما فعل ذلك.