غير أن لقب"ذي القرنين"الذي يظهر أنه لقب مشترك بين عدة أشخاص لم يطلقه كتاب الله على الاسكندر المقدوني، اليوناني الأصل، والوثني العقيدة، الذي هو احد من اشتهروا بهذا اللقب، بل هو شخص آخر تحدث كتاب الله عما آتاه من نصر وتمكين، حتى امتد نفوذه من المغرب إلى المشرق، ونصت الآيات الكريمة على إيمانه بالله واليوم الآخر، وعلى قيامه بواجبات الخلافة عن الله في الأرض أحسن قيام، بدليل ما ورد في سياق قصته حكاية عنه {قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ} {قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا} ، وبدليل امتنان الله عليه وتنويهه بشأنه، إذ قال تعالى: {إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا} ، والتمكين والتوفيق، إنما ينالهما عباده الصالحون، وبدليل تفويض الله إليه أن يختار من أساليب الحكم ما يراه مناسبا لمصلحة المحكومين واستعدادهم، إذ قال تعالى: {قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا} ، وهذه الصفات في مجموعها لا تنطبق على الاسكندر المقدوني بحال، ولا
يدعيها له أحد من مؤرخي الدول الذين تعاقبوا عبر الأجيال.
والآن فلننظر إلى ما يتخلل هذه القصة من مغزى عميق، أو معنى دقيق، فقوله تعالى: {وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا} بعد قوله: {إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ} إشارة إلى أن التمكين في الأرض، أي أرض كانت، واستقرار السلطان فيها، إنما يتم عند توافر الأسباب والعوامل الضرورية له، ويفهم من هذا أنه متى اختل سبب من تلك الأسباب أو عامل من تلك العوامل، وقع من الخلل بحسبه، وعلى قدر أهميته، وعلى رأس تلك الأسباب والعوامل: الإيمان بالله، وإقامة العدل بين الناس، ومقاومة الفساد وردع المفسدين، وهذه الأسباب والعوامل كلها توفرت في ذي القرنين، طبقا لما حكاه كتاب الله في قصته.