وفي هذا دليل على أن أهم ما يتسم به طالب العلم هو الصبر والطاعة للمعلم.
وفي تأكيده ذلك بالتعليق على مشيئة الله استعانةً به وحرصاً على تقدم التيْسير تأدباً مع الله إيذانٌ بأن الصبر والطاعة من المتعلم الذي له شيء من العلم أعسر من صبر وطاعة المتعلم الساذج ، لأن خلو ذهنه من العلم لا يحرجه من مشاهدة الغرائب ، إذ ليس في ذهنه من المعارف ما يعارض قبولها ، فالمتعلم الذي له نصيب من العلم وجاء طالباً الكمال في علومه إذا بدا له من علوم أستاذه ما يخالف ما تقرر في علمه يبادر إلى الاعتراض والمنازعة.
وذلك قد يثير النفرة بينه وبين أستاذ ، فلتجنب ذلك خشي الخضر أن يلقَى من موسى هذه المعاملة فقال له: {إنك لن تستطيع معي صبراً وكيف تصبر على ما لم تحط به خبراً} ، فأكد له موسى أنه يصبر ويطيع أمره إذا أمره.
والتزام موسى ذلك مبني على ثقته بعصمة متبوعه لأن الله أخبره بأنه آتاه علماً.
والتاء في قوله: {فإن اتبعتني} تفريع على وعد موسى إياه بأنه يجده صابراً ، ففرع على ذلك نهيه عن السؤال عن شيء مما يشاهده من تصرفاته حتى يبينه له من تلقاء نفسه.
وأكد النهي بحرف التوكيد تحقيقاً لحصول أكمل أحوال المتعلم مع المعلم ، لأن السؤال قد يصادف وقت اشتغال المسؤول بإكمال عمله فتضيق له نفسه ، فربما كان الجواب عنه بدون شَرَهِ نفس ، وربما خالطه بعض القلق فيكون الجواب غير شاففٍ ، فأراد الخضر أن يتولى هو بيان أعماله في الإبان الذي يراه مناسباً ليكون البيان أبسط والإقبال أبهج فيزيد الاتصال بين القرينين.
والذكر ، هنا: ذكر اللسان.
وتقدم عند قوله تعالى: {يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي} في سورة البقرة (40) .
أعني بيان العلل والتوجيهات وكشف الغوامض.
وإحداث الذكر: إنشاؤه وإبرازه ، كقول ذي الرمة:
أحْدَتْنا لخالقهَا شُكراً