اعتراض أريد به الموعظة والعبرة للمؤمنين بأن ما فيه المشركون من النعمة من مال وبنين ما هو إلا زينة الحياة الدنيا التي علمتم أنها إلى زوال ، كقوله تعالى: {لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد متاع قليل} [آل عمران: 196] وأن ما أعد الله للمؤمنين خير عند الله وخير أملاً.
والاغتباط بالمال والبنين شنشنة معروفة في العرب ، قال طرفة:
فلو شاء ربي كنت قيس بن عاصم
ولو شاء ربي كنت عمرو بن مرثد...
فأصبحت ذا مال كثير وطاف بي
بنون كرام سادة لمسوّد...
ووالباقيات الصالحات صفتان جرتا على موصوف محذوف ، أي الأعمال الصالحات الباقيات ، أي التي لا زوال لها ، أي لا زوال لخيرها ، وهو ثوابها الخالد ، فهي خيرٌ من زينة الحياة الدنيا التي هي غير باقية.
وكان مقتضى الظاهر في ترتيب الوصفين أن يقدم {الصالحات} على {والباقيات} لأنهما وإن كانا وصفين لموصوف محذوف إلا أن أعرفهما في وصفية ذلك المحذوف هو الصالحات ، لأنه قد شاع أن يقال: الأعمال الصالحات ولا يقال الأعمال الباقيات ، ولأن بقاءها مترتب على صلاحها ، فلا جرم أن الصالحات وصف قام مقام الموصوف وأغنى عنه كثيراً في الكلام حتى صار لفظ (الصالحات) بمنزلة الاسم الدال على عمل خير ، وذلك كثير في القرآن قال تعالى: {وعملوا الصالحات} [الكهف: 107] ، وفي كلامهم قال جرير:
كيف الهجاء وما تنفك صالحةٌ...
من آل لأم بِظَهر الغيب تأتيني