وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا (35)
عرفنا أنهما جنتان ، فلماذا قال: {وَدَخَلَ جَنَّتَهُ . .} [الكهف: 35] نقول: لأن الإنسان إنْ كان له جنتان فلنْ يدخلهما معاً في وقت واحد ، بل حَالَ دخوله سوف يواجه جنةً واحدة ، ثم بعد ذلك يدخل الأخرى .
وقوله: {وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ . .} [الكهف: 35] قد يظلم الإنسان غيره ، لكن كيف يظلم نفسه هو؟ يظلم الإنسان نفسه حينما يُرخيِ لها عنان الشهوات ، فيحرمها من مشتهيات أخرى ، ويُفوِّت عليها ما هو أبقى وأعظم ، وظلم الإنسان يقع على نفسه ؛ لأن النفس لها جانبان: نفسٌ تشتهي ، ووجدان يردع بالفطرة .
فالمسألة إذن جدل بين هذه العناصر ؛ لذلك يقولون: أعدى أعداء الإنسان نفسه التي بين جنبيه ، فإنْ قلت: كيف وأنا ونفسي شيء واحد؟ لو تأملتَ لوجدتَ أنك ساعة تُحدِّث نفسك بشيء ثم تلوم نفسك عليه ؛ لأن بداخلك شخصيتين: شخصية فطرية ، وشخصية أخرى استحوازية شهوانية ، فإنْ مَالتْ النفس الشهوانية أو انحرفتْ قَوَّمتها النفس الفطرية وعَدلَت من سلوكها .
لذلك قلنا: إن المنهج الإلهي في جميع الديانات كان إذا عَمَّتْ المعصية في الناس ، ولم يَعُدْ هناك مَنْ ينصح ويرشد أنزل الله فيهم رسولاً يرشدهم ويُذكِّرُهم ، إلا في أمة محمد صلى الله عليه وسلم ؛ لأنه سبحانه حَمَّلهم رسالة نبيهم ، وجعل هدايتهم بأيديهم ، وأخرج منهم مَنْ يحملون راية الدعوة إلى الله ؛ لذلك لن يحتاجوا إلى رسول آخر وكان صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء والرسل .
وكأنه سبحانه يطمئننا إلى أن الفساد لن يَعُمْ ، فإنْ وُجِد من بين هذه الأمة العاصون ، ففيها أيضاً الطائعون الذين يحملون راية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وهذه مسألة ضرورية ، وأساسٌ يقوم عليه المجتمع الإسلامي .