(أن يمكن من الحرام لأنه يمنع من الانتفاع به وأمر بالزجر عنه) بناء عَلَى أصلهم الفاسد من
أن التمكين من القبيح قبيح وخلقه أَيْضًا قبيح فإن مذهبهم أن الحُسن والقبح يعرفان بالعقل
والحاكم بهما العقل.
قوله: (قَالُوا الحرام ليس برزق) أي شرعًا لأن الْإضَافَة إلَى الله تَعَالَى مأخوذة في
مفهوم الرزق قال الله تَعَالَى: (إن اللَّه هُوَ الرزاق ذو الْقُوَّة المتين) وقد
عرفت أنه تَعَالَى يستحيل منه أن يمكن من الحرام بمعنى أن يسوق الله تَعَالَى الحرام إلَى
العباد ويعطيهم إياه لينتفعوا به وهذا غير واقع من الله تَعَالَى في زعمهم لأنه مأخوذ في
مفهومه أن لا يمنع من الانتفاع به شرعًا وذلك لا يكون إلا حلالا؛ إذ الإذن في التصرف
الشرعي لا يكون في الحرام وبهذا ظهر ضعف ما قيل إن استحالة تمكينه من الحرام تقتضي
أن لا يكون سوق الحرام منه تَعَالَى لا أن يكون رزقًا لما مَرَّ من أن ذلك السوق غير واقع
منه تَعَالَى قيل ذهب بعض أهل السنة إلَى مذهب المعتزلة بناء عَلَى أنه لا يمكنه لخبثه كما
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * *
الإنفاق من الحلال خصوصًا عند التصريح بالإسناد إلَى الله تَعَالَى فإنه ينصرف إلَى الأفضل الأكمل
ففَائدَة الإسناد الإيذان بأنهم ينفقون من الحلال ما هُوَ من عظائم العطايا وعند أهل السنة الرزق
أعم يتناول الحلال والحرام وتمسكوا بقوله: (قل كل منْ عنْد اللَّه) وفسره صاحب
الكَشَّاف بكل من الخصب [والجدب] النأزلين بهم ثم الاتفاق عَلَى أنه من فضل الله عليهم كما تفضل
بالإيجاد وسائر أسباب التمكين قَالَ صاحب الكشف فليس عدم الإسناد لكونه ليس من فعله تَعَالَى
كما توهم بعضهم بل كانوا يقولون لا يحسن أن يسند إليه تعظيما أو لأن فيه شوبًا من فعل العباد
لأنه كسبوه عَلَى وصف الحرمة فنقول التعظيم في إسناده إلَى الله تَعَالَى لئلا يوهم إيجاد العبد ما لا
يستقل به اتفاقًا، وأما وصف الحرمة فلو سلم أنه بإيجاده لم يفدكم كَيْفَ وقد ثبت بدليل العقل
والنقل أن الكل منه وبه إليه. نعم لا يوصف الْفعْل بالصفات الخمس إلا من حيث قيامه بالمكلف
وأما من حيث صدوره عنه تَعَالَى فلا إلَى هنا كلامه قال القطب اعلم أنه لا خلاف بين أهل السنة
والمعتزلة في أن قوله: (وَممَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفقُونَ) لا يتناول إلا الحلال وإن اختلفوا في
أن الحرام رزق أم لا وذلك لأنه تَعَالَى مدحهم بالإنفاق من الرزق والمدح بالإنفاق لا يكون إلا إذا
كان من الحلال، وأَيْضًا إسناد الرزق إلَى نفسه وإذا أضيفت الأفعال إلَى الله تَعَالَى فإنما يَخْتَصُّ
بالأفضل فالأفضل وإن قيل الأفعال كلها مستندة إلَى الله تَعَالَى فقوله وإسناد الرزق إلَى نفسه
للإعلام لا يدل عَلَى مذهب المعتزلة فإنه مشترك بين المذهبين. نعم مجرد الرزق بدون الإسناد يدل
عندهم عَلَى الحلال. أقول: هب أن قوله وإسناد الرزق إلَى نفسه للإعلام بأنهم ينفقون الحلال
المطلق الذي يستأهل أن يضاف إلَى الله تَعَالَى لا يدل عَلَى مذهب المعتزلة لاشتراك ذلك بين
المذهبين لكن في قوله ويسمى رزقًا منه دلالة عَلَى مذهبهم لإفادته أن الحرام لا يسمى رزقًا فإن
قلت المنفي استحقاق الحرام لأن يكون منه تَعَالَى قلت ذلك قد استفيد من قوله لا يستأهل أن
يضاف إلَى الله تَعَالَى فإن قلت الْمُرَاد تقرير ما فهم من الأول قلت لو كان غرضه ذلك لكان يكفي
أن يقال ويكون منه بدل ويسمى رزقًا منه وعدوله عن هذه العبارة إلَى التَّعْبير بلفظ التَّسْميَة يدل
على أن مراده نفي أصل التَّسْميَة مع قيد أنه منه تَعَالَى وقال القطب ثم الإنفاق بالنظر العامي إنما
هو من المال ومن النظر الخاصي فإن المال والْكَمَال قَالَ حكيم الجود التام بذل العلم فمتاع الدُّنْيَا