بالتشديد ثم خفف فصار قيل بفتح القاف واحد أقيال أو أقوال وهو الملك دون الملك
الأعظم من ملوك حمير ينفذ ما يقول كأنه الذي له الْقَوْل قال لا يَنْبَغي أن يدعى في قيل
وأمثاله ذلك حتى يسمع من العرب مثقلا كنظائره نحو ميت وهين فإنه سمعت مخففة
ومثقلة، ولعل لهذا أخر الشيخان هذا الاحتمال مع أن الوصف حِينَئِذٍ لكونه صفة مشبهة عَلَى
ظاهره، وَأَيْضًا تفوت فيه المُبَالَغَة الْمَذْكُورة.
قوله: (والْمُرَاد به) أي بالْغَيْب (الخفي الذي لا يدركه الحس) أي لا يقع تحت إدراك
الحواس الظَّاهرَة مطلقًا (ولا يقتضيه بداهة العقل وهو قسمان) وإن أدرك بالعقل ولذا لم يقل
ولا يدركه العقل، والْمُرَاد ببداهة العقل ما لا يحتاج إلَى فكر ونظر من بدأه بداهة وبدها إذا
بغت وفاجا وفي الكَشَّاف، والْمُرَاد به الخفي الذي لا ينفذ فيه ابتداء الأعلم اللطيف الخبير
وإنما نعلم منه نحن ما أعلمناه أو نصب لنا دليلًا عليه ولهذا لا يجوز أن يطلق فيقال فلان
يعلم الغيب انتهى. وما ذكره الْمُصَنّف أولى لأنه أوضح في المقصود وإن سلم أن هذا بعينه
ما ذكره الْمُصَنّف إلا أن كلام الْمُصَنّف لا يتناول الخبر الصادق من أسباب العلم ولو قيل
إن هذا مندرج تحت بداهة العقل فمع ما فيه من إباء البداهة يكون ذكر الحس مستدركًا فإنه
داخل فيه أَيْضًا؛ إذ مرجع الكل هُوَ العقل فالحواس آلة له ويمكن العناية فتأمل.
قوله: (قسم لا دليل عليه) فضلًا عن نصبه؛ إذ النصب يقتضي وجود الدليل فأريد هنا
نفي الدليل لا نصبه؛ إذ نفي نصبه أعم من وجوده وعدمه، والْمُرَاد عدمه. والْمَعْنَى قسم لا
يعرف له سبيل لنا إليه أصلًا لا بالحس ولا بالعقل بديهة أو نظرية ولا بسَبَب من الْأَسْباب
إلا بإعلامه تَعَالَى:
قوله: (وهو الْمَعْنَى بقوله تَعَالَى:(وعنده مفاتح الغيب) الآية. بناء
على أن المفاتح جمع مفتح بالفتح بمعنى المخازن فيفيد اخْتصَاص علم غيب به تَعَالَى
لدلالة قوله (لا يعلمها إلا هُوَ) وأما إذا جعلت جمع مفتح بالكسر فيكون جعل كون مفاتح
الغيب عنده كناية عن اخْتصَاص علم غيب لا دليل عليه به تَعَالَى وسيأتي توضيحه في
تفسير هذه الآية. إن شاء الله تَعَالَى:
قوله: (وقسم نصب عليه دليل) يعرف ذلك الغيب بالنظير الصحيح ولهذا قيد فيما مر
ببداهة العقل احتراز عنه (كالصانع وصفاته) فإنه تَعَالَى تعرفه بالآيات المنصوبة في الآفاق
وفي أنفسنا وبالنظر الصحيح فيها. وقيل والغيب والغائب ما يجوز عليه الحضور والغيبة
وإطلاق الْمُتَكَلّمينَ قولهم قياس الغائب عَلَى الشاهد لا يصلح سندًا له وجوابه أن السلف
مطبقون عَلَى تفسيرها بما ذكر وكفى بنا سندًا قيل ولَيسَ فيها إطلاقه عليه بخصوص فليس
هذا من قبيل التَّسْميَة ولو سلم هذا فيما نحن فيه لا يسلم في قولهم قياس الغائب عَلَى
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * *
قوله: كالصانع وصفاته هُوَ مما نصب عليه دليل من طريق العقل وقوله واليوم الآخر وأحواله
ما ثبت بدليل نقلي فالْمُرَاد بالدليل في قوله وقسم نصب عليه دليل ما يعم العقلي والنقلي.