وجعله أصلا بإدخال مع (لأنه أقرب إلَى الأصل) إذ أصله وهو الْمَعْنَى اللغوي التصديق المطلق
فإذا كان الْمَعْنَى الشرعي التصديق الخاص يكون التفاوت بَيْنَهُمَا قليلًا وهو المُتَعَارَف في
المنقولات، وأما في قولهم فمع ذلك زيادة الإقرار والعمل وفي بعض النسخ وأنه أقرب إلَى
الأصل لظهور القرب بين المطلق والمقيد، وأما في النسخة الأولى فتعليل لما قبله والْقَوْل بأنه
سر هذا الاخْتلَاف وترجيح ما ذكر راجع إلَى أن المكلف الروح فقط والبدن آلة لها ومركب أو
البدن أو مجموعهما فإن قلنا بالأول فهو التصديق، وإن قلنا بغيره فهو يعتبر عمل اللسان
والجوارح ضعيف. أما أولًا فلأن مقتضى ما ذكره لو سلم صح اعتبار عمل اللسان دون عمل
الجوارح كما حقق في التوضيح والتلويح، وأما ثانيًا فلأن كون المكلف مجموع البدن والروح هو
الْمُخْتَار، وأما ثالثًا فلأن هذا الاخْتلَاف راجع إلَى أن الْأَعْمَال ركن من الإيمان وأن المخل بها
يخرج متمسكين بظواهر الآيات والأحاديث وعند أهل الحق أن الإيمان هُوَ التصديق فقط أو
الإقرار معه وأجابوا عن شبهاتهم كما في فصل في علم الْكَلَام.
قوله: (وهو متعين الإرادة في الآية) الظَّاهر أن هذه جملة حالية كما أن قوله مع ما
فيه كَذَلكَ. والْمَعْنَى أنه يدل عَلَى أن الإيمان مجرد التصديق ما ذكرنا مقرونا بما فيه الخ.
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * *
على أنه مجرد التصديق واذكر مقرونا مع ما في التصديق من قلة التغيير فإن الإيمان المعبر عند
القائلين بأنه التصديق وحده هُوَ التصديق الجازم المطابق للواقع وهو فلما يقبل التغير بتشكك
المشكك بخلاف الْقَوْل والعمل فإنهما ينعدمان كثيرًا بعد وجودهما وقلة طريان العدم للتصديق يدل
على أنه أصل بالنسبة إلَى الْقَوْل والعمل فهذا أَيْضًا مما يدل عَلَى أن الإيمان هُوَ التصديق فقط.
قوله: وإنه أقرب عطف عَلَى قوله إنه سبحانه قال حجة الْإسْلَام روح الله روحه في الأحياء
وللإسلام والإيمان حكمان أخروي ودنيوي أما الأخروي فهو الإخراج من النَّار ومنع التخليد إذ
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -"يخرج من النَّار من كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان"وقد اختلفوا في أن
هذا الحكم عَلَى ماذا يترتب وعبروا عنه بأن الإيمان ماذا فمن قائل يقول إنه مجرد العقد ومن قائل
إنه عقد بالقلب وشهادة باللسان ومن قائل يزيد ثالثًا وهو العمل بالأركان ونحن نكشف الغطاء عنه
ونقول من جمع بين هذه الثلاث فلا خلاف في أن مستقره الجنة وهذه درجة الدرجة الثانية أن
يوجد اثنان وبعض الثالث وهو الْقَوْل والعقد وبعض الْأَعْمَال ولكن ارتكب صاحبه كبيرة أو بعض
الكبائر لمند هذا قالت المعتزلة خرج بهذا عن الإيمان ولم يدخل في الكفر بل اسمه الفاسق وهو
على منزلة بين منزلتين وهو مخلد في النَّار وهذا باطل كما سنذكره الدرجة الثالثة أن يوجد
التصديق بالقلب والشَّهَادَة باللسان دون الْأَعْمَال والجوارح وقد اختلفوا في حكمه فقال أبو طالب
المكي رحمه الله المحل من الإيمان ولا يتم دونه وادعى الْإجْمَاع عليه واستدل بأدلة تشعر بنقيض
غرضه كقوله تَعَالَى: (الَّذينَ آمَنُوا وَعَملُوا الصَّالحَات) إذ هذا يدل عَلَى أن العمل
وراء الإيمان لا من نفس الإيمان وإلا فيكون العمل في حكم المعاد والعجب أنه ادعى الْإجْمَاع في
هذا وهو مع ذلك ينقل قوله - صلى الله عليه وسلم - لا يكفر أحد إلا بجحوده لما أقر به وينكر عَلَى المعتزلة قولهم
بالتخليد في النَّار بسَبَب الكبائر والقائل هذا قائل يعين مذهب المعتزلة؛ إذ يقال له من صدق بقلبه
وشهد بلسانه ومات في الحال فهل هُوَ في الجنة فلا بد وأن يقول. نعم وفيه حكم بوجود الإيمان
دون العمل فنزيد ونقول لو بقي حيًّا حتى لو دخل وقت صلاة واحدة فتركها ثم مات أو زنى ثم