ولذلك يقول اللهُ العليم الحكيم لِعَبده ورسوله -صلى الله عليه وسلم-:"فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ" [الحجر: 94] ، وفي هذا الأمر إعلانٌ قويٌّ واضح بأنَّ الله الآمر له معه بقوَّته وتأييده ونصره، لكن ربَّنا الرؤوف الرحيم لم يكتفِ بِهذا، بل زاده بيانًا وتأكيدًا، فقال له:"إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ" [الحجر: 95] ، وفي قوله:"إنَّا"إشعارٌ بالقوة والقهر، والعظمة وشديدِ البَطْش، وأن الذي سيكفيك هو الْمَلِك الكبير الْمُتعال، القاهِرُ فوق عباده، وإنَّما تكون أنت حقيقًا بأن يكون الله معك، ينصرُك ويُعِزُّك، ويكون المشركون حقيقين أن يكون الله خَصْمَهم؛ لأنَّك عرَفْتَ ربَّك فآمنتَ به، وقدَّستَه ومَجَّدْتَه، وأخلصتَ له دينك وقلبَك، وعبوديتك وعملَك، وهم عَمُوا وصَمُّوا عن نِعَم ربِّهم وآياته في أنفسهم وفي الآفاق، فكفَروا بنعمه، وكذَّبوا بآياته، وخاصموه وعادَوْه، واتَّخذوا من شياطينهم وأوليائهم ظُهَراء عليه، فخَسِروا أنفسهم، واتَّخَذوا من دونه آلِهَة أخرى بأَسْماء سَمَّوها هم وآباؤهم، ما أنزل الله بِها من سلطان، وما يَتَّبِعون فيها إلا الظَّن الذي لن يغنِيَ من الحقِّ شيئًا.