فإجماع الصحابة المعلوم منهم قطعا على اتباعه والتأسي بما يفعله في كل ما يفعله من قليل أو كثير ، أو صغير أو كبير ، لما عندهم في ذلك توقف ولا بحث ، حتى أعماله عليه السلام في السر والخلوة يحرصون على العلم بها وعلى اتباعها ، علم بهم صلى الله عليه وسلّم أو لم يعلم.
والثاني: أنا لو سلمنا بعدم العصمة - وحاش للَّه - فإنه لا يناسب ما تشير إليه الآية من التعظيم والامتنان ، وجعل ذلك غاية الفتح المبين ، المقرون بالتعظيم ، فحمله على ذلك مخل بالبلاغة ، والمعنى الّذي حملنا عليه الآية يناسب البلاغة ، فوجب المصير إليه ، وقوله: وَيَنْصُرَكَ الله نَصْراً عَزِيزاً 48: 3 [1] أعيد لفظه لمّا بعد عما عطف عليه ، وليكون المبتدأ والمنتهي بالاسم الظاهر ، والضميران في الوسط ، وأتت هذه النعم الأربع بلفظ الغيبة ، وجاء الفتح قبلها بضمير المتكلم تعظيما لأمر الفتح ، لأن المغفرة وإن كانت عظيمة فهي عامة ، قال تعالى: وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ 4: 48 [2] وكذلك إتمام النعمة ، قال تعالى: وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي 5: 3 [3] ، وهكذا الهداية ، قال تعالى: يَهْدِي من يَشاءُ 2: 142 [4] ، ومثله النصر ، قال تعالى:
إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ 37: 172 [5] ، وأما الفتح: فإنه لم يتفق لغير رسول الله صلى الله عليه وسلّم ، وقيل في الاسم مع النصر: إنه تعظيم له ، ولهذا قلّ ما ذكر الله تعالى النصر من غير إضافة إليه أو اقتران باسمه ليطمئن القلب بذكر الله تعالى ، فيحصل الصبر ، وبه يحصل النصر ، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
وقال سفيان عن عيينة قال: عن ميسرة قال ابن عبد الله: أخبره بالعفو قبل أن يخبره بالذنب ، قال تعالى: عَفَا الله عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ 9: 43 [6] ، وقال عبد الله بن يزيد المصري: ليس هذا لنبي قبله ولا بعده ، يعني قوله تعالى: عَفَا الله عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ 9: 43 [6] ، فبدأ سبحانه بالعفو قبل العقاب.
[1] الفتح: 3.
[2] النساء: 48.
[3] المائدة: 3.
[4] البقرة: 142.
[5] الصافات: 172.
[6] التوبة: 43.