فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 248513 من 466147

فانظر ما أبلغ هذا المثال النبوي وأبينه لما نحن بصدده ، فهذه عين الماء الّذي نزل من السماء واحدة ، وأثره في الأرض مختلف على قدر ما أعطاها الحكيم الخبير سبحانه من الاستعداد ، وهيأ فيها من القبول حتى قبلت [كل] [1] قطعة منها الماء بحسب استعدادها ، فأنبتت الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات التي يفضل بعضها على بعض في الأكل ، وقبلت قطعة أخرى من الأرض ذلك الماء بعينه ، فأنبتت بحسب استعدادها كلأ وعشبا ترعاه الأنعام ، وفقدت قطعة أخرى هذا الاستعداد المهيئ لقبول الإنبات ، فأمسكت الماء ولم تغيره عن أصله لطيبها حتى استقى منه الناس فشربوا وحملوا وسقوا أنعامهم ، وكانت قطعة أخرى من الأرض لم يجعل الله تعالى فيها من الاستعداد لقبول الإنبات شيئا ، وسلبها مع ذلك الطيب والاعتدال ، حتى انحرفت عنه فلم تخرج نبتا ولا أمسكت ماء ، بل أحالته لخبثها أجاجا وملحا لا ينتفع به ، فكما اختلفت الأرض في الاستعداد واختلفت في القبول ، وهكذا نفوس الناس لما اختلفت في الاستعداد لقبول الخير والهدى ، اختلفت في قبوله ، وعين الهدى واحدة ، ولكن أثره في نفوس الناس مختلف ، فواحد قبل هدى الله الّذي جاء به نبيه محمد صلى الله عليه وسلّم حال ما جاء به من غير أن يدعى إليه ولا طلب منه دليلا عليه كخديجة بنت خويلد ، وأبي بكر الصديق ، وعلي بن أبي طالب ، وزيد الحبّ ، رضي الله عنهم ، وذلك بحسب قوة استعدادهم لقبول الهدى ، وقد عبّر عن هذا الاستعداد في اصطلاح القرآن بالهداية ، ويقال له التوفيق أيضا ، وإليه الإشارة بقوله تعالى: حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَزَيَّنَهُ في قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ 49: 7 [2] ، وقال تعالى: وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ 47: 17 [3] ، أي والذين اهتدوا يعني قبلوا الهداية العامة الإيمانية بقابليتهم الأصلية ، وأقبلوا بكلية مواطنهم إليها ، زادهم الله هدى بما أدركهم من عناية مدد الحضرة الرحمانية بالهداية الخاصة من مقام الإحسان ، وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ 47: 17 يعني أعطاهم تقوى نفوسهم بأن جعلوا حكم توحيدهم الباطن في قلوبهم وقاية تصون أنفسهم عن التلبس من أحشاء الانحرافات المبعدة لهم عن جناب

[1] زيادة للسياق.

[2] الحجرات: 7.

[3] محمد: 17.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت