والنّسائي [1] من حديث سويد عن أبي بردة عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلّم: أن مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضا ، فكان منها طائفة طيبة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير ، وكان منها أجادب فمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا منها وسقوا ورعوا ، وأصاب منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلا ، فذلك مثل من فقه معاني دين الله ونفعه بما بعثني به فعلم وعلّم ، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الّذي أرسلت به.
اللفظ لمسلم ، ذكره في كتاب المناقب ، وذكره البخاري في كتاب العلم وقال فيه: كمثل الغيث الكثير أصاب أرضا فكان منها نقية قبلت الماء ، وقال فيه: فشربوا وسقوا وزرعوا ، وقال فيه: ونفعه بما بعثني الله ، وقال بعده: قال إسحاق: وكان منها طائفة قبلت الماء قاع يعلوه الماء.
[1] لم أجده في (النسائي) بهذه السياقة ، لكن أخرجه الإمام أحمد من حديث أبي موسى الأشعري ، ضمن حديث طويل أوله: عبد الله حدثني أبي ، حدثني عبد الله بن محمد - وسمعته أنا من عبد الله بن محمد - حدثنا أبو أسامة ، عن بريد بن أبي بردة ، عن أبي بردة ، عن أبي موسى ، قال: «ولد لي غلام ، فأتيت به النبي صلى الله عليه وسلّم ، فسماه إبراهيم وحنكه بتمرة ، وقال: احترق بيت بالمدينة على أهله ، فحدث النبي صلى الله عليه وسلّم بشأنهم فقال: إنما هذه النار عدوّ لكم ، فإذا نمتم فأطفئوها عنكم ، قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلّم إذا بعث أحدا من أصحابه في بعض أمره قال: بشروا ولا تنفروا ، ويسروا ولا تعسروا ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم:
إن مثل ما بعثني الله عزّ وجلّ به من الهدى والعلم ...» وساق الحديث بنحو سياقه البخاري ومسلم.
(مسند أحمد) : 5/ 544 ، حديث رقم (19076) . قال القرطبي وغيره: ضرب النبي صلى الله عليه وسلّم لما جاء به من الدين ، مثلا بالغيث العام الّذي يأتي الناس في حال حاجتهم إليه ، وكذا كان حال الناس قبل مبعثه صلى الله عليه وسلّم ، فكما أن الغيث يحي البلد الميت ، فكذا علوم الدين تحيي القلب الميّت ، ثم شبّه السامعين له بالأرض المختلفة التي ينزل بها الغيث ، فمنهم العالم العامل المعلم ، فهو بمنزلة الأرض الطيبة ، شربت فانتفعت في نفسها ، وأنبتت فنفعت غيرها.
ومنهم الجامع للعلم ، المستغرق لزمانه فيه ، غير أنه لم يعمل بنوافله ، أو لم يتفقه فيما جمع ، لكنه أدّاه لغيره ، فهو بمنزلة الأرض التي يستقر فيها الماء فينتفع به الناس.
ومنهم من يسمع العلم فلا يحفظه ، ولا يعمل به ، ولا ينقله لغيره ، فهو بمنزلة الأرض السبخة أو الملساء التي لا تقبل الماء أو تفسده على غيرها.
وإنما جمع في المثل بين الطائفتين الأوليين المجودتين ، لاشتراكهما في الانتفاع بهما ، وأفراد الطائفة الثالثة المذمومة لعدم النفع بها. (الأمثال في الحديث النبوي) : 378 - 379 ، حديث رقم (326) والتعليق عليه.