إنَّ العقل الذي ميَّز اللهُ به الإنسان يَجْعل له الخيرة فيما يأخذُ ويدَعُ بعد قياسٍ ومقارنة وتفكير، فهل تريد أن تقول: إنَّ العقل بجانب الملائكة كهذا النَّوع من العقل، بحيث إنَّهم يعملون الرَّوِيَّة ويفكِّرون قبل إقدامهم على ما وُكِل إليهم من عملٍ؛ فإن شاؤوا فعلوا، وإن شاؤوا تركوا؟
كلاَّ، ليس الأمر كذلك؛ بدليل أنَّهم يقومون بأعمالهم على الوجه الذي أراده الله، ذلك الوجه الذي ليس للتَّخييرِ مَجالٌ فيه، بل كما قال الله عن الكواكب:"وَكُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ" [يس: 40] .
ثم هل نَفْي هذا النَّوع من الْهِبات عن الملائكة معناه تجريدهم عمَّا يوازيه من فِطْرة الطَّاعة المُطْلَقة والقيام بِما يؤمرون، ومهما ذكرت من كتب اللُّغة من تحميل معنى"ذو مِرَّة"معنَى قوَّةِ الخلق والعقل، فليس بالضرورة أن يكون هذا العقل من نوع عَقْل الإنسان الَّذي جعله الله مناطَ ذمِّه إذا اعوجَّ، ومناطَ مدْحِه إذا استقام، ولكن كما قلنا: لا يَخْرج بجانب جبريل - عليه السَّلام - ولا غيره من الملائكة عن أنَّه خصوصيَّة فطريَّة تلزمهم دائمًا بِجانب الطَّاعة فيما كُلِّفوا به من وظائف على وجهٍ لا امتيازَ لَهم فيه.
ولو استَعْمَل الشَّيخُ الأناةَ والرِّفق، لَطالَبَ الأستاذ الشيخ حامدًا - إذا رأى منه إهْمالاً في الوفاء بالوعد الذي التزمه في مَجْلس كبيرٍ من مَجالس العلماء بِمَكَّة [1] ، بالوفاء بهذا الوعد بالْحُسنَى، ولكنَّ غضبه - ولا أقول لغير الحقِّ - أخرجه عن دائرة الرِّفق والجدَلِ بالتي هي أحسن، حتَّى سلك أخاه الدَّاعيَ إلى الله في عدادِ الكافرين.
بل لقد أخرجه - وهو العالِم - عن دائرة الصَّواب حتى في أبسط قواعد اللُّغة، فاستمع إليه وهو يهْدِر حَميَّة بهذا الأسلوب العالي بلاغةً وتركبيًا.
"والعبد الفقير قد كنت قابلتُه في مَجْلس رئيس القضاء وحضور الشيخ عمر بن حسن، والشيخ عبدالله بن جاسر، وغيرهم، ونبَّهتُهم على مقاله، فهو كان قد اعترف على خطئه، ووعَد أنَّه يُصْلِحه وينشره في مجلَّتِه في أقرب ما يَصْدُر منها، ولكن إلى الآن وقد صدر منها عددان"كذا"لم يَذْكر المسألة المذكورة".
[1] يقول شيخنا وأستاذنا فتحي أمين عثمان"كان الشيخ حامدٌ - رحمه الله - يَحْضر مجالس العلماء بأرض الحجاز في مواسم الحجِّ والدعوة؛ لِمُناقشة العلماء بعضهم البعض في كثيرٍ من المسائل التي تعرض للأُمَّة في هذا الوقت، وكان يحضرها الكثير من العلماء كالتي كان يحضرها شيخُه رشيد رضا - رحمه الله تعالى - لَمَّا سقطَتِ الخلافة الإسلامية بتركيا عام 1924، فكان اقتراحُه ساعتها أن تُعلن الخلافة بِمِصر أو بالحجاز، ففي مثل هذه الجلسات العلميَّة سُئِل الشيخ حامد الفقي عن رأيِه في سجود الملائكة لآدم، وهل هو سجود شرعيٌّ أم سجود كونِي؟ فقال رأيَه فيه بأنَّه سجودٌ كوني، فلمَّا روجِعَ، قال: أُراجِعُ المسألة، فإن وجدْتُ فيها غيْرَ ما أقول نشَرْتُه، ولَمَّا عاد من الحجاز، حرَّر هذه المسألة ونشَرَ بَحْثَه في مجلة الْهَدْي النبوي عدد جمادى الآخرة لسنة 1368 هـ."