فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 248494 من 466147

ونقول للشيخ: إنَّ العقل في أصْل معناه اللُّغوي هو الرَّبط، فعقل الدابة رَبْطُها؛ لئلاَّ تنفلت من مكانها فتَضِلَّ، ومنه العقل في الدِّيات؛ لأنَّها تربط ما بين المتخاصمَيْن من نزاع، فيَحْقِن دماءهم وهكذا، ومن هذه المادة أُخِذ العقل المنسوب للإنسان، وهو القوَّة الإلَهيَّة التي أودعها الله فيه؛ لتربِطَه وتحجزه عن مقارفة الشهوات واتِّباع الشيطان، وسُمِّي حجرًا كذلك لِهذا السبب؛ أي: لأنَّه يَحْجر صاحبَه عن مُواقَعة الدَّنايا، فهذه القوَّة بِجانب الإنسان من ألزم لوازمه، وأمَّا بالنسبة للملَك فأيَّة حاجةٍ له بِها وقد فُطِر على طاعة ربِّه وعبادتِه، وما رُكِّبَت فيه شهواتٌ ولا غرائِزُ تَحتاج إلى هذا الرِّباط لِكَبْح جماحها إذا حاولَتِ التمرُّدَ والخروجَ عن الجادة؟!

والشيخ - هداه الله للصَّواب - في كلِّ ما كتب أراد أن يَجْعل العقل بالنِّسبة للملَك مثْلَه بالنِّسبة للإنسان؛ أيْ: إذا تَجرَّد منه الملَك نُسِب إلى الْجُنون كما يتَّصِف الإنسانُ بالجنون إذا تجرَّد منه، ولقد أخطأ الشيخ في قياسه خطأ كبيرًا؛ إذْ إنَّ هناك تباينًا جوهريًّا بين الإنسان والملَك.

فالله سبحانه - وهو الخلاَّق العليم - ما وهَبَ العقل اشتقاقًا وحقيقة إلاَّ لِنَوْع واحدٍ مِن خلْقِه، هو الإنسان، ولعلَّك صِرْتَ على يقينٍ مِن أنَّ الله - عزَّ وجلَّ - لم يَذْكر العقل - فيما ذكَرَه من أوصاف الملائكة - إلاَّ بأنَّه لَم يكن من بين ما خصَّهم الله به، مع أنه بجانب الإنسان أكبَرُ نعمةٍ وهبَها إيَّاه، وأوجب عليه شكْرَها.

وماذا علينا بعد ذلك لو قُلنا لأولئك الخلْق المكرمين من الخصائص التي أعطاهم الله إيَّاها ما ينوب عن الميزة التي ميَّز الله بِها الإنسانَ وهي العقل، وبِهذه الخصوصية الفطريَّة في أصل خلْقِهم يقوم كلٌّ بما وُكِل إليه من عملٍ في شؤون هذا الكون بإذن الله،"لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ" [التحريم: 6] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت